السبت، 20 ديسمبر 2025

 تفكيك العقل النخبوي العقدوي(الاحتفال بالعربية أنموذجاً) (141)
ربط "اللغة العربية" بالعقيدة فقط... مرض سياسوي!!
------------------------------------------



نشرت تدوينة سابقة حول الاحتفال باللغة العربية في يومها العالمي؛ ذكرني بها "فريق فيسبوك" غير أني أحجمت عن إعادة إشهارها (أضع صورة لها) إذ أثارت جدلاً عريضاً حينها يتراوح بين الاتفاق والاختلاف.
*****


وإذا كانت اللغة هي وعاء الخطاب الذي نمرر عبر حروفه متن الأفكار؛ فإن وظائفيتها مرتبطة بإبلاغ مستهدف سياسوي مقصود يسعى للهيمنة؛ من المرسل إلى المتلقي مهما كان مربع هذه اللغة.
غير أن الظاهرة التي ينبغي أن نلتفت إليها كثيراً من المنظور الحضاروي، هي أن ربط اللغة العربية بالعقيدة فقط يمثل مرضاً سياسوياً. فالتوظيف العقائدوي هو نهج سياسوي، وذلك لارتباطه بإقامة نظام دنيوي محدد مرتبط بالمقدس فقط؛ لكون ارتباطه خاص بالعقيدة التي وظفت وعاء اللغة العربية لإيصال خطابها لأهلها ومن جاورهم.
*****


حين يكتب أحدهم كعضو في "جماعة سياسوية" تختبئ بهوية العقيدة في فضاء التواصل الاجتماعوي: "يكفي العربية شرفاً وحسن وصف قول الله فيها: ﴿إنا أنزلناه قرآناً عربياً لعلكم تعقلون﴾؛ و﴿كتاب فصلت آياته قرآناً عربياً لقوم يعلمون﴾؛ و﴿قرآناً عربياً غير ذي عوج لعلهم يتقون﴾... فهذا توظيف سياسوي مُخادع... لأن المُسْتَتِر في مجمل خطابه سياسوي يروج لجماعته المنافقة الباحثة عن القفز للسلطة عبر متوهم مُسمى "دولة الخلافة"؛ والتي تنتمى إلى زمان الديناصورات المنقرضة بالنظر للتحول الرأسمالوي العولموي.
إن التوظيف السياسوي بتصدير الآيات القرآنية الشريفة حول "عربية القرآن" للجمهور في "يوم اللغة العربية" العالمي من دون الاهتمام بشرح ما يُسمى ضرورات "خصوصية" و"أسباب النزول"؛ يُغلق ويحصر حتى أفق الدعوة بأهل لسان هذه اللغة فقط وليس غيرهم ممن لا يفهمونها ولا يتحدثون بها.
*****
إن خصوصية "نزول الوحي القرآني" ترتبط بضرورات لازمة واستهداف الرحمة؛ إذ نزل النص الشريف على (قلب) رسول (عربي)؛ ولغته هي (العربية) ومستهدفه الأول بالدعوة هم قومه من (العرب) المتواجدين بدءاً في الجزيرة العربية: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ ۖ فَيُضِلُّ اللَّهُ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي مَن يَشَاءُ ۚ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ)؛ وإلا لكان النص القرآني نزل بالفارسية أو العبرية أو اللاتينية أو الإنجليزية أو الفرنسية أو الألمانية أو البرتغالية أو الروسية أو الإسبانية... إلخ
لذلك فإغفال خصوصية وغرضوية "أسباب النزول" الأولى... تلك هي مسألة لا تزال من المتغافل عنها سياسوياً بالقصد العمدي من المتاجرين بالعقيدة. وبهذا فإن هيمنة هذا التصور العقدوي سياسوياً تسبب في نشوء إشكالية أن اللغة العربية لم تعد "لغة حضارة"! وجرى حصرها وظائفويا في اعتبارها "لغة كيفية الوصول للجنَّات" عبر آليات وفقهويات التحريم والتحليل وما شابه من أغراض!
*****


والمؤسف في الأمر أن أهل العربية والناطقين بها حصروا تفكيرهم طيلة التاريخ المُنْقضي في هذا الحقل عدا القلة القليلة من المتفكرين؛ الذين جرى قمعهم بالتكفير والاتهام بالإلحاد والزندقة والقتل (ابن رشد وابن الهيثم والكندي وابن سينا والفارابي وابن حيان؛ فضلاً عن ابن عربي والراوندي والرازي... إلخ).
وهذا ما جعل أهل العربية والناطقين بها ينصرفون تاريخاوياً عن إِعْمال العقل والتفكر في موجودات الله؛ وقوانين الحياة لتتقولب "اللغة العربية" حسب "قانون الاستعمال والإهمال" والانحصار في اجترار ما قالته القدماء؛ وهم كانوا "أهل رواية" و"إعادة استظهار" وليسوا أهل تأمل وَتَبَحُّث وتجارب.
ونتيجة هذه القولبة اهتمت العرب أكثر باجترار ما وراء الزمان والسرمدي؛ وهم لا يمتلكون أية أدوات استبار واختبار بالتجربة حتى لمكنونات تصوراتهم؛ فاستلبتهم أسطورويات القرون الأولى التي انتجتها العقول الأولى القديمة فهيمنت على عقولهم الجامدة. وهم ليس في أيديهم أدوات التفتيش في الكون لاستجلاء أسراره ومخفياته لأنهم احتبسوا أنفسهم في فئة "أهل رواية"!
*****


والمريب في اللعبة السياسوية تلك أن بعض مروجي هذا الخطاب اللغوي لا يتورعون عن الكذب بالقول إن (العربية هي لغة العقل والعلم والتقوى) من دون أن يقدموا ما يساند هذا القول من دليل في عصرنا وما سبقه؛ فتكتفي نخبة العلم اللغوي بما يُسمى "التعريب"؛ هذا لأننا فقراء في حقول الابتكار والاختراع إلى درجة الفاقة.
لذلك ينبغي أن نتحرك لنأخذ "اللغة العربية" للحقل المغاير؛ وبدل أن تجتر بنية هذه اللغة وقائع الماضوي؛ فلتقم باستيعاب ما أفرزه العقل العربي والمسلم إذا غادر فضاءات الشعرية والبلاغة وخطاب الشعر والرواية والتغير لاختلاق خطاب العلم والابتكارات في حقول الاستصناع والاستزراع والتفتيش في الكون؛ لكي لا تكون هذه اللغة إنتاج عقل استهلاكوي وعالة على الآخر؛ وهو ما تحتاج إليه أمة اللغة العربية راهناً... خلاصاً من ذلك المرض السياسوي المتكلس!!
"رأفت السويركي"

*************

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق