الخميس، 18 ديسمبر 2025

              في "اليوم العالمي للغة العربية"... عقلنا تفضحه حروف لغته!!

----------------------------------------------------------





العقل العربي يعيش راهناً مأزقاً وجودوياً لا حدود له؛ بما ينوء به هذا الوجود من ثقل أثقاله، للدرجة التي جعلت منه عقلاً يُكلِّم نفسه؛ ويدور أسيراً في تلافيف ذاته؛ فلا يفهم إلاّ ما قاله مُسْبَقاً؛ بل صار حتى لا يقول سواه ممارساً آفة الاجترار المقيت.
إن هذا العقل يُعاني جحيم الوقوع في شرك إسار الموجود المتراوح ما بين "الممنوع والمرغوب"؛ "المفترض والواقع"؛ "الجمود والانعتاق"؛ لذلك نستمع من أهل هذا "العقل الهوياتي" دعاوى ما يُسمى" تطوير الخطاب".
ومن حجم تكرار ما قيل في هذه الموضوعة، تظن أن ذلك "الوعد الموعود" غير ممكن التحقق... لأنها الكارثة "القديمة المستحدثة"؛ وإحدى صورها تجدها في فعاليات الاحتفاليات السنوية باليوم العالمي للغة خطاب هذا العقل... "العربية"؛ فهل عقلنا تفضحه لغته؛ التي تكشف مقدار حيويته ومدى فعاليته!!
بل هل نحن أصحاب لسان قادر على الدخول بثقة في ساحات الحداثة والعصرنة؟ أم أننا سنبقى مشردين في هوامش التطور المعرفي؟ فقط نستهلك بنهم مفرط وجشع متوحش ما ينتجه العقل اللاتيني؛ بامتداد عالم النطق والتفكر الآخر بعد أن تحرر من ربقة وكوابح الثوابت المتوارثة عن ذهنية الهمجية الأولى؛ وكذلك مغادرة طقسيات هيمنة دهاقنة العقائد الماورائوية؛ فيما نحن لم نخرج بعد من جب الماضوية المقيتة؛ والمعطلة لجوهر العقيدة الداعية قبل التسليم إلى إعمال العقل في الوجود والكون للتيقن بالربوبية الواحدية؟
إن ذلك التساؤل الجوهري؛ يمثل نقطة اشتغال لقلة من ذوي العقول في مساحة حضارة موصوفة؛ بأنها حضارة إقرأ، والمؤسف أنها لأقوام صارت لا تقرأ ولكنها تتقول ما يقال فقط؛ من دون أن تعمل التفكر في جلمود موروثها الحجري الرواياتي.
*****
هذه المقدمة تأتي تلبية لتذكير "فيس بوك" لي بتدوينات سابقة حول "اللغة العربية"؛ كنت أشهرتها على جداري؛ وحققت تفاعلات كريمة من أساتذتي وأصدقائي سعدت بها للغاية بفعل قيمتها... وبمناسبة ذكرى اليوم العالمي للغة العربية نتذكرها من جديد:
********
اللغة العربية... وعقل ما بعد الحداثة!
---------------------------
اللغة وعاءٌ صوتيٌ حُروفيٌ لوصف المعني؛ اللغةُ في حد ذاتها، ليست مخزناً معلوماتياً، نَمْتَحُ منه المعنى الذي نريده، أي أن "نسْتَخْرَجَهُ وَنحَصَلَ عَلَيْهِ". لأنها ليست بئر المعاني، التي لم تتشكل بعد.
اللغةُ كينونةٌ لاحقةٌ للمعاني، وليست سابقة عليها، وقدرتها على التكيف، والاحتواء، والاستيلاد قدرةٌ ممكنة، بجهد العقل المنتسب إليها، والذي يُفكِرُ، فيلجَأُ إلى أساساتها، الحروفية والصوتية المتوافرة، ليُشكِّل منها التعبيرَ المستحدث حول المُتَصَوّر الذهني الحادث والسابق عليها وجوداً، لذلك فالأمرُ رهنٌ، بقدرة العقلِ على إعادةِ تصوير المَعنى.
** ماضوية المعاني
------------
"سر مشكلة العربية أنها لاتزال رهنا للمتخيلات، والماوراءيات، والأسطوريات، لذلك لم تتطور في الاشتقاق والمجانسة، والابتداع، وهذا ليس عيبا في بنية اللغة، ولكن العيب في العقل المتجمد والمتصحر، هذا العقل لم يدخل معامل ومختبرات ما بعد الحداثة العقلية ليطور أغلفة المعاني الصوتية والحروفية".
ولأن اللغة العربية، لا تزال تحتفظ في ذاكرتها بخزانة "ماضوية المعاني"، التي تُمثل بَحْرَها، وتهُيمنُ على مُعْجَمها، صورُ مُفردات المجال والسياق التاريخيين، المنتسبين إلى الماضي الحادث فشَكَّلَ بوقائعه معجمها، وهذا ما ميّزَهَا، وطبع هُويَتَهَا بمجازية الكيمياء الحروفية، وفِضفاضِيةِ السِّياقات، وعلى سبيل التدليل نسوق التعبير التالي لإيضاح هذا القول: " تَوسَّطتِ الشمسُ كَبِدَ السَّمَاء". فهل للسماء كَبِدٌ وقلبٌ ورئتانِ وذِراعانِ وقَدَمان؟ إنها الطبيعة التعبيرية الخاصة للغة العربية.
لذلك فإن اللغة العربية إلى الآن، لقِدمِها، وجغرافية بيئتِها الأولى، هي لغةٌ واقفةٌ بشموخِها، عند حدود الشعرية والمجازية، والمؤسف أن اللغة العربية، لا يحفُّ بها انتاج إبداعي عقلي خارج عن الشعرية، لكي تقوم آلة العقل اللغوي باحتواء المعني المستجد غير الشعري، فيبتني أغلفة صوتية وحروفية تجسد المعنى الجديد.
** النص المقدس الحاكم والمتحكم
----------------------
سرُّ قضية اللغة العربية أنها، أولاً: لاتزال مشروطة الدلالة والتفاعل بالنص القرآني المقدس، حيث لا يزال هذا النص المُحَكمُ، هو الحاكِمُ لأصوليتها، وهو مقياسُ بلاغتها الإبلاغية، كون نزوله الأساس على قلب الرسول الأكرم "ص"، جاء تحدياً لأهل اللغة، ببلاغتهم الشعرية.
وثانياً: فإن العقل العربي إلاَّ اللَّمم، يواصل التألق المتوالي في ممارسة الشعرية، وهذا العقل بقدمه الزماني، في أغلبية أزمنته المتتابعة، لا دورانَ له إلاَّ في المجال البلاغي، ليُنتح خطاباتٍ مَجازية، وكلُّها تُضمِرُ عَوالِمَ لا محدودة من السياقات المجازية.
لذلك يَكُون التأويلُ هو أبرز أدواتِ كشفِ المُضْمرِ في ثناياها، وقد بَقيَتْ وتبقى هذه اللغة رهناً للمتخيلات، والماورائيات، والأسطوريات، ومع عجزِ العقلِ العربيِّ عن التجليّ خارجَ حُقول الشعرية، لافتقاره إلى متاحات التعامل مع حقول مُغايرة، بُحكم محدودية أو غِياب الحُقولِ المُغايرة للشعرية، يكون لا بديلَ أمامه سِوى الدورانُ واجترارُ نفسِهِ في حقل الشعرية.
** مشكلة العقل قبل اللغة
----------------
لذلك عَجَزَ العقلُ اللغويُ عن اختراقِ عَوالِم التَّفكر الأخرى، مثل العلوم والرياضيات، و"الطبابة" و"علوم التقانة" و"الحاسوبيات"، و"علوم الكويكيبات"، وبالتالي لم تتطور الوظيفة اللغوية، ضمن هذه العوالم للاشتقاق والمجانسة، والابتداع، وبذلك ليس له حضور ملموس خارج الشعرية والمجازية، وهذا لا يُعدُّ عيبا في بنية اللغة العربية، ولكن العيب في ذاتية العقل العربي والإسلاموي، المُصاب بالتجمد أو التصحر، حيث أن هذا العقل، لم يدخُل معامل ومختبرات عوالم "ما قبل الحداثة"، أو "الحداثة"، وبالتالي "ما بعد الحداثة العقلية"، ليطور أغلفة المعاني الصوتية والحروفية، بما يتناسب مع المبتكرات والكشوفات والمنتجات غير المجازية.
**حتى لا تكون "لغة عبادة فقط"
---------------------
إن المستوي اللغوي لأية أمة مرتبط بمقدار مشاركتها في الحضارة الإنسانوية لكل الأقوام؛ ويكون من التوهم الظن بغير ذلك والارتكان إلى أنها فقط لغة القرآن الكريم. هذه بلادة أقوام لا تزال تعيش خارج التاريخ الإنسانوي؛ ويهيمن عليها تفكير التواكل والظن الحسن في تقدير إنزال السماء المطر والذهب والفضة والتعبير أيضا!
ومن هنا، فينبغي مواصلة الدأب العلمي، من أصحاب العقول العربية، في كافة الحقول، لإجراء الدراسات المعرفية التحليلية، التي تدور حول قدرات اللغة العربية، على التكيف المستقبلي، وإثباتِ مُرونتها، في استيلادِ فضاءات تعبيرية خاصة، تُلبي حاجةَ المُعايرة، لمبتدعات العقل الذاتي، أو العقل الآخر، من المعارف اللاَّ شعرية، إلى أن تتهيأ من جديد لها أن تكون لغةً أصلاً في تأليف تسمياتها الخاصة البكر لمبتدعات العقل العلمي العربي والمسلم، إذا تخلَّصَ ذلك العقل من راهنية الاجترار الذهنوي، للخطابات الماضوية المهيمنة على حقولها المعنوية، وصار له منتجٌ غير شِعريِّ، وصارَ مُتَعمِّقَاً في دورة الحياة، منتِجاً، وليسَ مُستَهلِكاً.
وهذه من التحديات الوجودية للنوع، البشر واللغة، وتحديداً، اللغة العربية، كي لا تنحصر وظيفتها المستقبلوية، في أن تكون "لُغَةَ عِبَادةِ" فقط، وليست لغة حياة. وإذا كان الشاعر العربي أحمد رامي قال :"الصبُّ تفضحه عيونه وتَنمّ عن وَجد شــؤونه"؛ فهل نقولها بثقة "اللسان العربي تفضحه حروفه"؟!!
"رأفت السويركي"

**************

****************************

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق