يوم " اللغة العربية "... احتفاليات هي لطميات وبكائيات الحسرة!!
------------------------------------------------------
هل نحن أصحاب لسان قادر على الدخول بثقة في ساحات الحداثة والعصرنة؟ أم أننا سنبقى مشردين في هوامش التطور المعرفي؟ فقط نستهلك بنهم مفرط وجشع متوحش ما ينتجه العقل اللاتيني بامتداد عالم النطق والتفكر الآخر بعد أن تحرر من ربقة وكوابح الثوابت المتوارثة عن ذهنية الهمجية الأولى؛ وكذلك مغادرة طقسيات هيمنة دهاقنة العقائد الماورئية؛ فيما نحن لم نخرج بعد من جب الماضوية المقيتة؛ والمعطلة لجوهر العقيدة الداعية قبل التسليم إلى إعمال العقل في الوجود والكون للتيقن بالربوبية الواحدية؟
إن ذلك التساؤل الجوهري؛ يمثل نقطة اشتغال لقلة من ذوي العقول في مساحة حضارة موصوفة؛ بأنها حضارة إقرأ، والمؤسف أنها لأقوام صارت لا تقرأ ولكنها تتقول ما يقال فقط؛ من دون أن تعمل التفكر في جلمود موروثها الحجري الرواياتي.
*****
وفي اليوم العالمي للغة العربية تجثم على الصدور غمة التردي الحضاروي الذي تعيشه أمة هذه اللغة على كافة الصعد؛ في الانتاج المادي والخطاب القولي على حد سواء؛ وتتحول تلك المناسبة إلى احتفالية تقليدية، يتحول فيها أهل القول إلى بكائين شكائين؛ مكفكفين دموع الحسرات على ما وصل إليه مستوى خطابهم التعبيراوي من قحط تاريخاوي مزر في المستوى.
في الثامن من ديسمبر/ كانون الأول من كل عام؛ نتحول إلى أهل لطميات وندبيات؛ نمارس طقوس الولولة الثقافوية؛ حزنا على أحوال لغة الضاد، وما وصلت إليه طاقات التعبير بها من هزال مخيف.
إن المستوي اللغوي لأية أمة مرتبط بمقدار مشاركتها في الحضارة الجمعوية لكل الأقوام الإنسانوية؛ ويكون من التوهم الظن بغير ذلك والارتكان إلى أنها فقط لغة القرآن الكريم. هذه بلادة أقوام لا تزال تعيش خارج التاريخ الإنسانوي؛ ويهيمن عليها تفكير التواكل والظن الحسن في تقدير إنزال السماء المطر والذهب والفضة والتعبير أيضا!!
إشكالية اللغة العربية في يومها العالمي تعيد تذكيري بتدوينة مسبقة؛ فضلت إعادة إشهارها لما يمكن أن تثيره من شجون وتصورات كل المهجوسين باللغة العربية.
*****
اللغة العربية... وعقل ما بعد الحداثة!
---------------------------
اللغة وعاءٌ صوتيٌ حُروفيٌ لوصف المعني؛ اللغةُ في حد ذاتها، ليست مخزناً معلوماتياً، نَمْتَحُ منه المعنى الذي نريده، أي أن "نسْتَخْرَجَهُ وَنحَصَلَ عَلَيْهِ". لأنها ليست بئر المعاني، التي لم تتشكل بعد.
اللغةُ كينونةٌ لاحقةٌ للمعاني، وليست سابقة عليها، وقدرتها على التكيف، والاحتواء، والاستيلاد قدرةٌ ممكنة، بجهد العقل المنتسب إليها، والذي يُفكِرُ، فيلجَأُ إلى أساساتها، الحروفية والصوتية المتوافرة، ليُشكِّل منها التعبيرَ المستحدث حول المُتَصَوّر الذهني الحادث والسابق عليها وجوداً، لذلك فالأمرُ رهنٌ، بقدرة العقلِ على إعادةِ تصوير المَعنى.
ماضوية المعاني
------------
ولأن اللغة العربية، لا تزال تحتفظ في ذاكرتها بخزانة "ماضوية المعاني"، التي تُمثل بَحْرَها، وتهُيمنُ على مُعْجَمها، صورُ مُفردات المجال والسياق التاريخيين، المنتسبين إلى الماضي الحادث فشَكَّلَ بوقائعه معجمها، وهذا ما ميّزَهَا، وطبع هُويَتَهَا بمجازية الكيمياء الحروفية، وفِضفاضِيةِ السِّياقات، وعلى سبيل التدليل نسوق التعبير التالي لإيضاح هذا القول: " تَوسَّطتِ الشمسُ كَبِدَ السَّمَاء". فهل للسماء كَبِدٌ وقلبٌ ورئتانِ وذِراعانِ وقَدَمان؟ إنها الطبيعة التعبيرية الخاصة للغة العربية.
لذلك فإن اللغة العربية إلى الآن، لقِدمِها، وجغرافية بيئتِها الأولى، هي لغةٌ واقفةٌ بشموخِها، عند حدود الشعرية والمجازية، والمؤسف أن اللغة العربية، لا يحفُّ بها انتاج إبداعي عقلي خارج عن الشعرية، لكي تقوم آلة العقل اللغوي باحتواء المعني المستجد غير الشعري، فيبتني أغلفة صوتية وحروفية تجسد المعنى الجديد.
النص المقدس الحاكم والمتحكم
----------------------
سرُّ قضية اللغة العربية أنها، أولاً لاتزال مشروطة الدلالة والتفاعل بالنص القرآني المقدس، حيث لا يزال هذا النص المُحَكمُ، هو الحاكِمُ لأصوليتها، وهو مقياسُ بلاغتها الإبلاغية، كون نزوله الأساس على قلب الرسول الأكرم "ص"، جاء تحدياً لأهل اللغة، ببلاغتهم الشعرية.
وثانياً فإن العقل العربي إلاَّ اللَّمم، يواصل التألق المتوالي في ممارسة الشعرية، وهذا العقل بقدمه الزماني، في أغلبية أزمنته المتتابعة، لا دورانَ له إلاَّ في المجال البلاغي، ليُنتح خطاباتٍ مَجازية، وكلُّها تُضمِرُ عَوالِمَ لا محدودة من السياقات المجازية.
لذلك يَكُون التأويلُ هو أبرز أدواتِ كشفِ المُضْمرِ في ثناياها، وقد بَقيَتْ وتبقى هذه اللغة رهناً للمتخيلات، والماورائيات، والأسطوريات، ومع عجزِ العقلِ العربيِّ عن التجليّ خارجَ حُقول الشعرية، لافتقاره إلى متاحات التعامل مع حقول مُغايرة، بُحكم محدودية أو غِياب الحُقولِ المُغايرة للشعرية، يكون لا بديلَ أمامه سِوى الدورانُ واجترارُ نفسِهِ في حقل الشعرية.
مشكلة العقل قبل اللغة
----------------
لذلك عَجَزَ العقلُ اللغويُ عن اختراقِ عَوالِم التَّفكر الأخرى، مثل العلوم والرياضيات، والطبابة و"علوم التقانة" و"الحاسوبيات"، وعلوم الكويكيبات، وبالتالي لم تتطور الوظيفة اللغوية، ضمن هذه العوالم للاشتقاق والمجانسة، والابتداع، وبذلك ليس له حضور ملموس خارج الشعرية والمجازية، وهذا لا يُعدُّ عيبا في بنية اللغة العربية، ولكن العيب في ذاتية العقل العربي والإسلامي، المُصاب بالتجمد أو التصحر، حيث أن هذا العقل، لم يدخُل معامل ومختبرات عوالم "ما قبل الحداثة"، أو "الحداثة"، وبالتالي "ما بعد الحداثة العقلية"، ليطور أغلفة المعاني الصوتية والحروفية، بما يتناسب مع المبتكرات والكشوفات والمنتجات غير المجازية.
حتى لا تكون لغة عبادة فقط
---------------------
ومن هنا، فينبغي مواصلة الدأب العلمي، من أصحاب العقول العربية، في كافة الحقول، لإجراء الدراسات المعرفية التحليلية، التي تدور حول قدرات اللغة العربية، على التكيف المستقبلي، وإثباتِ مُرونتها، في استيلادِ فضاءات تعبيرية خاصة، تُلبي حاجةَ المُعايرة، لمبتدعات العقل الذاتي، أو العقل الآخر، من المعارف اللاَّ شعرية، إلى أن تتهيأ من جديد لها، أن تكون لغةً أصلاً في تأليف تسمياتها الخاصة البكر، لمبتدعات العقل العلمي العربي والمسلم، إذا تخلَّصَ من راهنية الاجترار الذهني، للخطابات الماضوية المهيمنة على حقولها المعنوية، وصار له منتجٌ غير شِعريِّ، وصارَ مُتَعمِّقَاً في دورة الحياة، منتِجاً، وليسَ مُستَهلِكاً، وهذه من التحديات الوجودية للنوع، البشر واللغة، وتحديداً، اللغة العربية، كي لا تنحصر وظيفتها المستقبلية، في أن تكون “لُغَةَ عِبَادةِ” فقط، وليست لغة حياة.!
"رأفت السويركي"
*****************************
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق