الأربعاء، 11 أغسطس 2021

 تفكيك العقل النخبوي الثقافوي المتثورن ( 152 )
"في مَدْحِ الدِّيكْتَاتُور"... الأغبياء والمغيبون هكذا سيفهمونها بقصور أفهامهم!!
-------------------------



** هل الحاكم في منطقتنا لقب سيء السمعة؟! 
** وهل الحاكم في ثقافتنا السياسوية المريضة - إذا كان سيئاً بالفعل - هو نبت شيطاني؟! 
** وهل الحاكم في واقعنا المعتل هو من الكائنات التي هبطت من الفضاء؛ إذ حملته كائنات خرافوية فأجلسته في الكرسي؛ بل وألصقته بالسلطة في غفلة من قطعان الرعية المتشكلين من النخبة والرعاع والمنسحقين والكاذبين والمنافقين واللاطمين الوجوه؟!







** وهل "الحاكم المتمكن" أو "المسيطر" تقف فوق رأسه أشباح من الأثير بأحجام الديناصورات ولا نشاهدها؛ فتتولى حجب حقيقته عنا؛ وكشف كل أسرارنا له ليمارس عنفه والسادية المتخفية في ديكتاتوريته فيقوم بتعذيبنا وإفقارنا؛ ويستمتع بتجريدنا من قوت يومنا وثرواتنا انتزاعاً بالضرائب وفرض الرسوم؛ وتكديس ما قامت بجبايته "إنكشاريته" منا ووضع حصاد الابتزاز في حسابات الدولة؛ ليغترف الديكتاتور وزبانيته منها ما يتاح له وما يشاء؛ فيما نحن العاجزون المساكين "الْكِيِوْت قوي" لا نمتلك أية حيلة للتخفيف من غلوائه أو ردعه أو ... أو... إلخ؟
** والسؤال الأساس هنا: كيف يفهم العقل النخبوي المهيمن مفهوم "الديكتاتورية" وصدقية هذا الاصطلاح؛ وهل تفكَّر هذا العقل في المنظومة كلها المرتبطة بمسمى "الديكتاتورية" ونقيضها/ "الديموقراطية"؟ أم أن المسألة كلها أناشيد ببغائية اكتسبت بالتقادم والتبعوية الذهنوية قداسة عدم النقض؟!
*****
** منذ قرون الزمان الأولى في الأرض نشاهد كثافة أعداد ما نتخيله من حكام ديكتاتوريين؛ فما تسمى الديكتاتورية هي فعالية متجذرة في التاريخ الإنسانوي والحيوانوي بحكم الضرورة؛ لذلك لا ينبغي أن نمارس الغيبوبة ونحلم ونحلم ونحلم بالحكام ملائكة رسلاً؛ وننتظر أن يعلقوا "البقجة" في رقابهم ويدورون يوزعون الخبز والأرز واللحم؛ و... و... و... وقبلها الحكمة على قطعان الرعية البلداء الذين ينتظرون من السماء أن تمطر عليهم ذهباً وفضة؟ 
** يا قوم... أليس الحاكم الذي وصل إلى كرسي الحكم مهما كانت صفاته جاء عبر أسلوبين من الفعل: إما بالوصول إلى السلطة بالتغلب عبر الانتزاع والقوة بالسيف والرمح والدبابة؛ وهذه هي الطريقة المتوارثة وشاهدها التاريخوي موغل في القدم منذ زمان "والخيل والبغال والحمير لتركبوها وزينة"؛ وصولاً إلى المدرعات والطائرات؛ أو عبر التغلب بآليات المناورة والتمويه عبر ما يُسمى "القوة الناعمة/ الأحزاب والجماعات المتنافسة" في مضامير ما يُسمى "متوهم الصناديق"؛ والتي تدبج النخب الببغائية المغيبة عن حقيقة الحقائق القصائد الطوال والمعلقات في تقديسها؛ وهم لم يتوقفوا للحظة للتفكر فيها فيدرسونها من جوانبها الكلية: ماذا تعني وماهي معاييرها؛ وما هي المتحكمات في حدوثها؛ وهل تتم في مجتمع من الملائكة الأبرياء الأنقياء الزهاد المرتعبين من عذابات يوم المعاد؟!!
** الحاكم المتغلب والمتسيد حين ننتقده؛ أو نمارس إدانته مهما كانت طريقة وصوله معروفة في المغالبة والتسيد ينبغي ألا يجعلنا نتغافل عن إدانة أنفسنا قبل إدانته؛ لأنه منا ونحن منه؛ وهو بشرٌ مثلنا أيضاً يحب ويكره؛ ويميل ويُقدِّر ما يظنه صواباً وما يظنه خطأ؛ وعلى الرغم من ذلك نُعَلِّقه نحن على "الشماعة"؛ ونكتفي بممارسة اللطميات منه حاكماً فنصفه بالمستبد الديكتاتور. يا قوم علينا أن ندين أنفسنا أولاً  ونجلد ذواتنا نحن قبل الحديث عن الحاكم المستبد أو غير العادل!!


** إذا كان الحاكم يمارس الديكتاتورية؛ فهذا مسلك طبيعي للغاية ومتوقع ومنتظر؛ وعلينا أن نفهم ذلك؛ ويكون لدينا الوعي بالمسببات والدوافع والآليات حين نمارس الولولة من الديكتاتوريين الذين يحكمون قطعان شعوبهم منذ بدء التاريخ؛ قبل أن نبحث عن "متوهم حلم نعيم الديموقراطية"؛ تلك الكلمة التي تمضغها النخب المصابة كذباً بـ "رُهَاب الديكتاتورية" وإدمان "هيروين الديموقراطية" بالشم والحقن في كل الأوقات والعصور. لأن هذا النخبوي المتوهم الديموقراطية لو جلس على الكرسي ذاته لأظهر الوجه الذي يولول تجاهه أي سيكون أيضا ديكتاتوراً... أليست "الطينة واحدة"؟
** إن الديكتاتورية سمة "بنيوـ بشرية وحيوانية" ومتواجدة في كل الأنواع والفصائل؛ وليست طفرة. لأن قانون الحياة منذ البدء هو أن يكون هناك الفرد المتغلب القوي/الديكتاتور لضبط شؤون المملكة؛ بل يقوم بانتزاع الأمارة بالقوة ليجمع القطيع ويتمكن منه؛ ويحمي سياج المرعى والمكمن؛ مستخدماً الزئير والبطش بمخالبه وأنيابه لردع من يقترب؛ فيلتف أفراد القطيع حوله مستكينين ومتناسين أن من يلتفون حوله هو ديكتاتور؛ فهو يقوم بعينه وأنيابه وصلابة عضلاته بحماية وتدوير شؤون الجماعة!!
** إن أي ديكتاتور هو نتاج تكوين النسيج الاجتماعوي والنفسانوي والثقافوي الشعبوي ذاته الذي أنتجه بدناً وعقلاً ونفساً؛ والديكتاتور ليس طفرة ذاتوية من نسيج مغاير طيب برئ نقي. الديكتاتور يكون من "قماشة شعبه" وليس قديساً!! 
** الحاكم الديكتاتور يحمل "جينات الجبروت" نفسها المتلبسة في الذات الجمعوية للقوم والشعب؛ وكذلك تراه يحمل معها ويخفيها جينات الانسحاق والانسحاب والرضوخ وآلية التنمر والتعالي المميزة للعرق والثقافة والسياق الذي هيمن عليه. إن التجبر والاستسلام يمثلان جينة واحدة ذات وجهين أي: الجبروت بالتمكن من السلطة والانسحاق بالطواعية من الجمعوية. ليكون الديكتاتور ثمرة معطيات كامنة وأيضا معلنة في الشعب الذي خرج منه!!
** إذا كان الحاكم يمارس الديكتاتورية فهو - في الممارسة- واقع تحت ضغوط بأن ينجز ما يتمناه بنفسه لعموم من يتحمل مسؤولية إدارة شؤونهم؛ والديكتاتورية تكون أسلوبية وسيلة لتطويع الخارجين والمتقاعسين في القطيع عن تجسيد قيم العمل والعطاء المطلوب في محيطهم الجامع (الوطن)!!
** إذا كان الحاكم يمارس الديكتاتورية؛ فهو يتكئ إلى قوانين موضوعة وأعراف متوارثة تاريخانية في نمط الحكم ومناهج إدارة شؤون الرعية؛ والتي ـ تلك الرعية ـ ترضى أو ترفض ديكتاتورها بما يتناسب ومقدار استفادتها من المناخ المهيمن. إذا غنمت منه فهي راضية عن ذلك الذي وصفته بالديكتاتور؛ وإذا خسرت فهي غاضبة من ذلك الذي انتزع السلطة وتغلب وأظهر لها "العين الحمراء"!!
** إذا كان الحاكم يمارس ما يسمونها الديكتاتورية؛ فهو محكوم بمطالعة مساحة ممتدة من الرغائب الجمعوية المتصادمة والمحكومة بدوافع الاكتناز الأكثر من دون الاهتمام المقدر بحجم المحيط السكاني. ويكون الموصوف غضباً بالديكتاتور واقعاً تحت ضغوط "إدارة صراعات" هذه الرغائب؛ وتقليم أظافر الانتزاع الشرهة لإتاحة مساحات للتنافس المرتبط بتلك الرغائب.
** في الحقيقة إن كل نوع وكل جنس وكل عرق يستصنع ديكتاتوره الخاص؛ عَلِمَ بذلك أو جَهِلَ؛ أدرك ذلك أو تجاهل؛ فالديكتاتور خرج من لُحْمة الجموع؛ وتشرَّب ثقافتها وقيمها وأساليبها؛ ومارس مسلكياتها طفلاً فشاباً فرجلاً كبيراً. 
** إن العبارة المرفوعة إلى الرسول الأكرم محمد صلى الله عليه وسلم وتم إضعافها والموصوفة بالحديث بقدر ما تعكس الخطاب السلطانوي " كَمَا تَكُونُوا يُولَّى عَـلَيْكُم" توضح الإشكالية السياسوية الجامعة في مسألة "الحاكم والمحكوم"؛ وانشغال العقل العربي إسلاموياً بالإشكالية ذاتها.
** وعلى الرغم من التشكيك في مدى انتساب هذه المقولة " كَمَا تَكُونُوا يُولَّى عَـلَيْكُم" إلى ما يوصف بـ "الأحاديث النبوية" وفق مدرسة الرواية و"جماعة حدثنا" فإن القرآن الكريم جاء متضمناً من آياته ما يدور في حقل هذه المسألة من منظور الإثابة والعقاب: (وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ).
** وهذا "ابن قيم الجوزية" في كتابه "مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية أهل العلم والإرادة" يذكر:" تأمّل حكمته تعالى في أنْ جعل ملوك العباد وأمراءَهم وولاتهم من جنس أعمالهم، بل كأنَّ أعمالهم ظهرت في صور وُلاتهم وملوكهم؛ فإن استقاموا استقامت ملوكهم، وإن عَدلوا عَدلوا عليهم، وإن جاروا جارت ملوكهم وولاتهم، وإن ظهر فيهم المكر والخديعة فولاتهم كذلك، وإن منعوا حقوقَ الله لديهم وبخلوا بها منعت ملوكهم وولاتهم ما لهم عندهم من الحق وبخلوا بها عليهم، وإن أخذوا ممن يستضعفونه ما لا يستحقونه في معاملتهم أخَذت منهم الملوك ما لا يستحقونه...". 
*****
وقبل الانسياق خلف المفاهيم المعممة التي "تبغبغ" بها النخب حول اصطلاح "الديكتاتورية" ونقيضها "الديموقراطية"؛ علينا التوقف وإدراك "المضمر والمسكوت عنه" في هذه المسألة؛ وهو أن الديكتاتورية هي الأصل؛ والديموقراطية تعبير عن متخيل ثقافوي. وفي نقاط موجزة تعالوا لنتعرف إلى:
- كارل ماركس اخترع ما يُسمى "ديكتاتورية البروليتارية" نقيضاً لـ "ديكتاتورية الرأسمالية" لتكون السلطة في يد "النخبة من العمال المتسيسين"؛ والذين يديرون العمل السياسوي بـ "المجالس المنتخبة"... أي أنها عملية تنتج ديكتاتوراً "وفق المقاس" من "الشغيلة"؛ وعلينا تذكر "ستالين" الشيوعوي في الاتحاد السوفياتي والذي احتكر التمثيل الوحيد للطبقة العاملة والتحدث باسمها هناك! 
- الفقهاء كموظفي عقيدة اخترعوا ما تُسمى "ديكتاتورية العلماء"؛ فاصطصنعوا لأنفسهم صورة القداسة باعتبارهم "حراس العقيدة"؛ وأنهم محتكروا فهم مقاصدها ومرادها والانفراد المخصوص بمعرفة قواعدها ومنازلها؛ وأنهم يوحى لهم من السماء بما يوفر لهم إمكانات "تعريف الناس بدينهم" وحل إشكاليات التطور من المنظور العقدوي. وبذلك فهم يرسخون نوعاً من الديكتاتورية الكذوب. ولا ينبغي نسيان أن "العلماء والفقهاء" ارتكبوا جرم تقديس  ما تُسمى "نظرية حكم المتغلب"، عبر شرعنتها بالتأويل وإدراجها ضمن أحكام العقيدة.
- وفي مرحلة تطور نمط الدولة العقدوية المنقرض "الأموية ثم العباسية" تجلت ديكتاتورية العلماء بشرعنة: "أن السلطان هو ظل الله في الأرض" كما زُيِّن ذلك في المرحلة الأموية لـ "عبد الملك بن مروان"؛ وكذلك للعباسي " أبو جعفر المنصور" المؤسس الحقيقي للدولة العباسية وقد أعلن أيضاً بوضوح "أنه ظل الله في الأرض" اعتمادا على رواية جرى إضعافها منسوبة للرسول الأكرم: "السلطانُ ظِلُّ الله في الأرض، فمَن أكرَمَه أكرمَه اللهُ، ومَن أهانَه أهانه اللهُ" فقد اختارهم الله للخلافة وهم التصاقاً بمبدأ "الربوبية" المفوضون بتكليف السماء لهم في تسيير أمور الخلق!! 
- وإزاء ما نشاهده من "تثورن" النخب العربية قولاً لا فعلاً تتجلى أيضا نماذجية "ديكتاتورية المثقفين"؛ الذين يظنون أنهم وصلوا إلى مرحلة المنتهى بتصوراتهم المتميزة باللصوصية والإتباعية للتفكير الغربوي في قضية الديكتاتورية والديموقراطية. فأغلبية "النخب المتثورنة" تتعامل في نظرتها إلى القضايا الاجتماعوية بالتوصيف القرأني الكريم الموصوف به الفرعون في زمان موسى عليه السلام ﴿... مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ﴾.
وهذه النوعية - حتى في الغرب - لم تتفق على تصور مشترك تجاه القضايا (تقارب وتضارب سارتر وألبير كامو أنموذجاً). إذ أن كل "النخب المتثقفنة" العربية بالتحديد لا تمتلك تصورات محددة للديموقراطية بعيداً عن مفاهيم العقل الآخر بالغرب. ما جعل الراحل جورج طرابيشي ينتقد التصور المُعمم من المثقفين؛ مطالباً باعتبارها المنتج الخاص للحركة الاجتماعوية التي تنقل المجتمعات من التخلف إلى التطور وفق خصوصية الواقع.
- أما النوعية المهيمنة عولموياً فهي "الديكتاتورية الرأسمالوية الريعوية" وهي التي تضخمت راهناً عبر هيمنة النظام الرأسمالوي وتمثلها الولايات المتحدة الأميركية؛ وهي في الحقيقة تتاجر سياسوياً باصطلاح "الديموقراطية" وفق مقياسها الخاص؛ وتحاول توظيفه في تدمير نمط الدولة الوطنوية. 
ويكفي كشف الأكاذيب المدعاة بما وصلت إليه مؤسسة الحكم الأميركية في مرحلة صراع "انتزاع ترامب" من السلطة وهزيمته أمام عناصر الدولة العميقة المهيمنة؛ ثم مع تتويج بايدن ـ  ببروز السمة القمعوية ـ  في هذه الدولة العميقة كما يقول الخبراء التي استجلبت القوات العسكريتارية إلى واشنطن لتحيط بالكونغرس؛ فيجري تنصيب بايدن للهيمنة على تأثيرات فوزه "المغموز به". فهل من الديموقراطية في مجتمع ديموقراطي "عسكرة الانتخابات"؟ بلى لأنها لعبة والغاية تبرر الوسيلة؛ فليت نخبتنا تدرك حقائق الأمور والشعارات!!
*****
** إن الذين يمارسون من "نُخَب المقاهي العربية" لعبة اللطميات حول "الديكتاتورية" و"الانقلاب" و"العسكر" يتناسون تناسق الفعل السياسوي مع نوعية الهوية الجامعة. 
فماذا عن ديكتاتورية الحاكم الفردانية أمام "أصالة مخالفة المسلك" الجمعوية التي تمارسها شعوب لا تحترم بالإطلاق روح الشرائع والقواعد والقوانين الضابطة للحقوق والالتزامات؛ لذلك فهي تمارس الموبقات في نهج بشريتها وتنفيذ أفعال المفاسد والمخالفة مثل:
- استخدام الرشوة للحصول على ما لا يستحقه الراشي وقبول المرتشي المسؤول/ بالتفريط في حق حفظ حقوق الآخرين وهي "صورة شعبوية لديكتاتورية انتزاع حقوق الآخرين".
- عدم احترام واجب الالتزام بحقوق الآخرين التزاماً بالوقوف في الصفوف/الطوابير أنموذجاً وغياب مراعاة أولوية الدور؛ فهي "صورة شعبوية لديكتاتورية انتزاع حقوق الآخرين".
- كسر قواعد المرور بالسرعة المخيفة والسير في المخالف من الاتجاهات وعبور الفتحات غير المقررة للخروج وهي "صورة شعبوية لديكتاتورية انتزاع حقوق الآخرين".
- التنشط الشره بالعمل في أقبية الاقتصادات السوداء والقذرة بالمضاربة وبيع المخدرات وترويجها وإدارة بيع المتعة وهي "صورة شعبوية لديكتاتورية انتزاع حقوق الآخرين".
- استخدام المغريات المادية والعينية للحصول على الأصوات في لعبة الانتخابات متجاهلة شعارات الديموقراطية بالفساد السياسوي وهي "صورة شعبوية لديكتاتورية انتزاع حقوق الآخرين".
- ممارسة الأكاذيب السياسوية من "الجماعات المتأدلجة" بالوعود البراقة في سياق ما يُسمى العمل الحزبوي؛ وإفساد تشكيل ما يُسمى وهماً بالمجالس النيابية لتكون الأقنية الجامعة لكل علل الشعوب ونقائصها وهي "صورة شعبوية لديكتاتورية انتزاع حقوق الآخرين".
- المبادرة للانقلاب على كل الشعارات  البراقة التي يطلقونها بعد التمكن من الحكم وممارسة الديكتاتورية المطلقة تجاه الفرق السياسوية المناظرة في الوطن؛ وهي "صورة شعبوية لديكتاتورية انتزاع حقوق الآخرين".
إن هذه الكلمات ليست في مدح الحاكم الديكتاتور أو نمط الديكتاتورية كما قد يتوهم الأغبياء من النخبة المريضة عقلانياً أو قد يفهمونها بعلل عدم فهم القضايا بعيداً عن الشعارات الكذوب والانتماءات المرضية بالتحزبات والتجمعات غير الموثوق في ارتباطاتها ومشروعاتها السياسوية.
*****
فمن منكم يستطيع ويمتلك الامكانات العقلية والثقافوية والنفسانية ليكون حاكماً غير ديكتاتور؟ فليكشف لنا عن اسمه وفعله وحزبه وجماعته وتاريخ تربيته؛ وليكشف لنا عن إمكاناته وشهادة صلاحيته بأن يكون حاكماً غير ديكتاتور؛ ولا تنطبق عليه مقولة " كَمَا تَكُونُوا يُولَّى عَـلَيْكُم". يا قوم: "كلنا هذا الديكتاتور" فاخجلوا من أنفسكم!!
                                                    "رأفت السويركي"

الاثنين، 9 أغسطس 2021

 معنى الكلام... ( 24 )
وهذا هو ثانيهم؛ يراوغ ويتنصل مما استزرعوه من فيروسات في الرؤوس... "محمد حسان أنموذجاً"!!
-------------------------------------------------------------

كلاهما لم يُلَبِّ الأمر بالشهادة أمام المحكمة برئاسة المستشار محمد السعيد الشربينى منذ الدعوة الأولى. وعندما جاء كلاهما أيضاً كان مستعيناً بمن يأخذ بذراعه ليتمكن من السير إلى داخل القاعة بمبرر المرض؛ وعندما تقدم كلاهما للشهادة جلس - شفقة - على مقعد متحرك أو خشبي وسط القاعة أمام هيئة القضاء.
 وكلاهما كذلك حين أجاب على أسئلة القاضي كان يظن نفسه جالساً على مقعد المنبر ليمارس قداسته على جمهوره؛ فيداور - على سبيل التقية - ويناور في القول لعله يوفر منفذ تجاوز تحمل المسؤولية؛ وهو يستهلك مكرورات الخطاب من المرويات والمنقولات والسرديات المهيمنة؛ وكلها تدور في حواف العقيدة السمحاء لا صُلْبها؛ فتصمها بما يشوهها ويسيئ إليها... أتحدث عن "المُتَسَلِّفَيْنِ/ الماضويين" محمد حسان ومحمد حسين يعقوب!!

*****
كلاهما يتحمل مسؤولية المشاركة الأساس في تشكيل وبناء رؤوس المغيبين الموغلين ضلالة في كهوف الفهم الماضوي لعقيدة العقل قبل أن تكون عقيدة الوجدان؛ فاندرج هؤلاء المغيبون في "ميليشيات" القتل والتكفير كذباً تحت راية الإسلام الذي هو دين الحفاظ على النفس من المهلكة وسفح الدماء؛ مهما كان نوع اقتناع النفس (فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر). 

لذلك فاقتضاء قول كل "المتدعِّشين" واعترافهم أنهم تأثروا بأفكار "شيوخ الدعوة السلفية"، وأنهم سمعوا لـ "يعقوب وحسان" أوجب استدعاءهما حسب دفوع المحامين أمام المحكمة بـ "اعتبار أفكار دعاة السلفية هي السبب في اعتناق أعضاء خلية داعش  الفكر التكفيري" وليكون الواحد منهما حسب تعبير القضاء "شاهد إثبات أو نفي". فظهر كلاهما بصورة مزرية في منطق خطابه! 

*****

** أولهما "محمد حسين يعقوب" الذي قال أمام القاضي: " أنا لا أُفْتِي... وعندما يوجه لي سؤال، أقول اسألوا العلماء؛ وما أقوله هو اجتهادات شخصية بناء على قراءاتي"! والمثير للسخرية قوله أنه يُخاطب "العَوَام" وليس طلبة العلم أو الملتزمين... فهو غير متخصص في الفقه الإسلامي وشهادته متوسطة تسمح لحاملها بالتدريس في المدارس الابتدائية فقط. وكما قال: " لا أعرف داعش... وحسن البنا أسس الإخوان للوصول إلى الحكم؛ وسيد قطب لم يكن فقيهاً... وأنا لم أفتِ في الدين"!!

 وما بين النفي أمام القاضي أنه "سلفي" ثم اعترافه بأنه "سلفي" تبرز استراتيجية "المناورة" و"المداورة" و"التقية" التي يتبعونها بعد أن تمكنوا بنهج "السلفية التكفيرية" من الهيمنة واختراق رؤوس العوام في الزوايا ومساجد الطوابق الأرضية والقنوات التلفازية الخاصة؛ ليضللوهم بمعنى الإسلام غير الصحيح!!

*****


** وثانيهما كان "محمد حسان" والذي اعترف: "أنا لم أدرس في الأزهر بل درست في كلية الإعلام جامعة القاهرة، وانتفعت بذلك في الدعوة" وقال كذلك حول قضية "خلية داعش إمبابة" ما لا يتجاوز أو يختلف عما قاله سابقه "محمد حسين يعقوب"؛ غير أنه كان امتص صدمة الأول في القضية نفسها؛ فأفرط في محاولة التملص من ترويج الفكر الماضوي المتكهف الذي قام بصناعة نماذج القتل باسم الدين من معتنقي نهج التكفير لـ "القاعدة" و"داعش" ومن قبلهما "الثدي" الذي رضعت منه هذه النماذج "الخوارجية" حليب "الخلافة وأستاذية العالم"!!

"محمد حسان" ناور بما يجعله يتملص من المسؤولية بتوظيف "فقه التقية" و"نهج نفي العلة"؛ فباع أمام المحكمة ما شاهده وعرفه وصمت عنه وهو "داعية" عن تلك "الجماعات التي أقامت صروحاً كبيرة من المؤسسات الخيرية لأغراض أخرى واندس إليهم أشخاص يقتلون ويستبيحون دماء الناس"، مطالباً بوجوب "أن تكون هذه المراكز والمجمعات الدينية تحت بصر الجهات المختصة للدولة لأن هذا واجب الدولة وهو التصدى للفكر المتطرف". فتكرم القاضي بالقول له:" أنتَ وأقرانك مسؤولون عن هذا فأنتم لكم تأثير على الناس ويجب أن تنصحوا الشباب بالابتعاد عن الأفكار المتطرفة".

وواصل "محمد حسان" المناورة بالقول:"بيت المقدس غيرت اسمها إلى ولاية سيناء، وقد خرج زعيمها أبو أسامة المصري في فيديو ليقول نصاً: (لقد قتلناهم لأن الله أمرنا بذلك) وهذا ضلال مبين؛ فالله لم يأمرك بقتل نفس محرمة، (ومن يقتل مؤمناً متعمداً فجزاؤه جهنم وعليه لعنة الله) وأنصار بيت المقدس ليست على الطريق الصحيح إطلاقا فهي تستحل الدماء المحرمة للمسلمين والذميين وتستحل إخواننا وأبناءنا من أفراد الجيش والشرطة فهي جماعة منحرفة عن كتاب الله وسنة رسوله وكانت سببا في التنازع والخلاف وهذا سوء فهم خطير"!!


ويكمل "محمد حسان" المناورة بالتنصل من وقائع مسجلة علانية له قدمتها هيئة المحكمة: "كنت مؤيداً ومرشِّحاً للإخوان المسلمين بعد أحداث يناير ظناً مني أنهم من أكفأ الموجودين على الساحة السياسية، فجماعة الإخوان المسلمين في بدايتها دعوية - وهذا تزييف للحقيقة يقوم به محمد حسان -  ثم تحولت إلى البحث عن الحكم وتولت رئاسة الجمهورية ومجلس الشعب ومع ذلك لم توفق الجماعة في حكم مصر لأنها لم تستطع أن تنتقل من فكر الجماعة إلى فكر الدولة؛ من الطيف الواحد إلى أطياف الدولة المتعددة، وبعد حدوث الصدام مع الدولة وجميع مؤسساتها رفعت شعار الشرعية أو الدماء وكنت أتمنى التنازل عن الخلافة. لقد تحول فكرهم إلى أفعال مادية نتج عنها جرائم، فالإخوان المسلمين كونوا فرقاً سميت باللجان النوعية اقتحمت مقرات للدولة وخربتها"!!

*****


وبتكتيك المراوغة حين سأله القاضي الجليل المستشار محمد السعيد الشربينى رئيس هيئة المحكمة عن "الأشعرية" و"من هم الأشاعرة"؟ قال محمد حسان:" الأشاعرة هم طائفة من طوائف أهل السنة والجماعة وأبو حسن الأشعري إمام من أئمة أهل السنة ولا يمكن القول غير ذلك أو اتهامهم بأي شيء باطل وهذا ما أعتقده وأؤمن به."!!

محمد حسان المراوغ بذلك "القول الاتقائي" في شهادته كلها يصدم جمهوره من المُسَيَّريْن المتسلفين بخطابه وقد زرعوا في ذاكرتهم الصلدة القول بأن "الأشاعرة أهل بدع وضلال" وفق ما ذكره ياسر برهامي نائب رئيس الدعوة السلفية أنموذجاً فى كتابه "المنة في شرح اعتقاد أهل السنة"! على الرغم من أنه المذهب العقدوي لمؤسسة الأزهر الشريف!!






وأمام شهادة محمد حسان المناورة قال له رئيس هيئة المحكمة : "أنصحك أن تذهب إلى الأزهر بكل تواضع وتطلب منهم العلم"؛ فيقول: "حاشا لله أنا أحب الأزهر وأقدره وما من عالم مهما بلغ علمه ودخل عليه شيخ من الأزهر إلا واستشعر هيبته نظراً للصرح الديني الذي تتلمذ داخله وعلى أيدي مشايخه".
*****
وهكذا لم يختلف قول "الماضوي/ المتسلف الأول" عن "الماضوي/ المتسلف الثاني" في شيئ. أمام الميكرفونات كل منهما يجترُّ معلقات من المرويات المشكوك في مصدرية الكثير منها وانتسابها قسراً وجبراً إلى السنة النبوية القولية؛ والكثير منها متناقض مع الخطاب القرآني الحاكم الحكيم؛ وكلٌ من أمثالهما يفرش طريق الاشتهاء بالتأويل المخادع أمام المتحلقين حوله بالدماء للفوز بالحور العين في جنات فِيهَا (... َأَنْهَارٌ مِّنْ خَمْرٍ لَّذَّةٍ لِّلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِّنْ عَسَلٍ مُّصَفًّى). ولكن أمام الميكرفونات في قاعة القضاء ينفون أنهم "علماء" وإنما "دعاة" وأنهم يرفضون فكر ونهج "القاعدة" و"داعش" و"جماعة الإخوان"... هل هناك توظيف للـ "تقية" وهروبٌ من مسؤولية استزراع فيروسات التدمير في الرؤوس أكثر من ذلك؟!
                                   

                                       "رأفت السويركي"


الخميس، 5 أغسطس 2021

 حالة... ( 21 )
"الكوميديا السياسوية"... ناصريون ومتمركسون يدافعون عن المتأخونين!!
---------------------------------------------------------


حقاً إنها من علامات الساعة...

** بعض بقايا هوامش "المتمركسين" من عُبَّادِ "الإيديولوجية الضامرة" تراهم لا يزالون يُناصرِون "المتأخونين" نقائضهم من عُبَّادِ "الإيديولوجية الصهيوبنائية المتكهفة"؛ على الرغم من أن هؤلاء إلى هذه اللحظة لا يزالون يعتبرونهم من الملحدين الكافرين.


** وكذلك من الأعاجيب أن بعض بقايا هوامش المدَّعين من "الناصريين" يدافعون بتهافت سياسوي عن المتأخونين؛ على الرغم من أنهم يقبلون "العمى والطرش/الصمم" كما يقال ولا يشاهدون صورة ناصر أو يسمعون صوته أو اسمه. 


*****


هؤلاء المتمركسون "لحسوا" النظرية التي ترفض قلبا وقالبا ما يُسمى "الإسلام السياسوي" وفق تصورات الراحل الكبير سمير أمين؛ وهؤلاء ممن يدعون الانتماء للناصرية "طنشوا" تاريخ الدم؛ ونسوا الرصاصات الثماني التي أطلقها يوم 26 أكتوبر 1954م في "ميدان المنشية" بالأسكندرية "السبَّاك المتأخون" محمود عبد اللطيف عضو تنظيم الجهاز السرى لـ "جماعة حسن الساعاتي البنَّاء" باتجاه الزعيم جمال عبد الناصر لاغتياله في الاحتفال بتوقيع "اتفاقية جلاء المحتل البريطاني". وعقب هذا الحادث الذي يمثل منهجاً لدى هذه الجماعة وينفذه تنظيمها الخاص أصدر  الرئيس جمال عبد الناصر، قراراً بحل تلك الجماعة.


*****


وإذا كان كارل ماركس - على سبيل المثال - وصف "الحزب الديمقراطي" البرجوازي بأنه "أكثر خطورة بكثير على العمال من الليبراليين السابقين"، وكذلك أكد لينين:" أن البرجوازية الروسية بعيدة عن أن تكون حليفاً للعمال، وأنها ستقف لا محالة إلى جانب الثورة المضادة". 

إذا فإن المُنظِّرة السياسوية/ الفيلسوفة الألمانية "حنة آرنت" تقول:" العقل المؤدلج (الماركسوي/ العقدوي) يحمل فهماً مشوهاً للواقع استناداً للمعلبات التي يحملها داخل جمجمته"؛ لذلك إذن فلا غرابة في أيامنا هذه أن يقوم بقايا "المتمركسين" وهوامش "الناصريين" بالدفاع عن "المتأخونين" الساعين لهدم الأوطان؛ وتكفير المواطنين من أجل ما يُسمى "متوهم الديموقراطية". 


حقاً تلك هي "الكوميديا السياسوية" والتي تعتبر من علامات الساعة!! 

                                        "رأفت السويركي"


الجمعة، 30 يوليو 2021

 في ذكرى ثورة يوليو/ تموز1952م
يطل "وجه ناصر"...
لكن "العميان لا يرون النور"!!
-----------------------------------------

حقاً وصدقاً... هذا هو "يوم النور" الذي أطلت شمسه في الفضاء المصري منذ 69 عاماً ؛ وأقول "النور السياسوي" تحديداً حتى لا "يَتَمَعَّرَ" وجه البعض اصفراراً أو احمراراً أو اسوداداً وهو يقرأ هذه التدوينة؛ ويظن حول معناها الظنون لمرض في قلبه؛ وما أكثر أمراض القلوب السياسوية في الوقت الراهن؛ زمن الفضاءات الافتراضوية المفتوحة؛ حيث لا ضابط لضجيج القطعان وضوضاء الزفاف الشعبوية وأناشيد جُلَّاس مقاهي النظرية الإيديولوجوية؛ وسويقة المتنشطين الدولاريين . 


*****



هذا هو الثالث والعشرون من يوليو/تموز؛ اليوم الذي جعل لمصر الحديثة في العام 1952 م من القرن المنصرم وزنها الإقليموي والعالموي كمعيار؛ مع بدء مرحلة ما تُسمى "التحرر الوطنوي" من الاستعمار القديم المتهالك؛ ليبدأ زمان "ثورات الفقراء" في قارات أفريقيا وآسيا وأميركا اللاتينية.


في ذلك اليوم المشهود الذي أصفه بـ "يوم النور السياسوي" ثقة في كل فعالياته التي حدثت ولا تزال تحدث؛ ظلل الله برعايته "ثُلَّةً" من أبناء الشعب المصري الذين يحملون كضباط في الجيش المصري الشريف هموم الأمة؛ ليقوموا - بما تأخر كثيراً- بفعل تغيير الواقع المتردي واسترداد صورة مصر المخبوءة لقرون تحت كرابيج القهر من الإقطاعيين لمصر الفلاحين؛ وفي غرف نوم القصور على أسرَّة المحظيات وملك اليمين؛ وفي اقتصادات الريع والاحتكار. ومئات ألوف الشغيلة بالقهر والإجبار لشق قناة السويس بالسخرة.


في الثالث والعشرين من يوليو/ تموز 1952 م كان الموعد مع التاريخ؛ لتنقلب خريطة المنطقة كلها "من الماء إلى الماء"؛ أي من الخليج العربي شرقاً إلى المحيط الأطلسي غرباً؛ ومن البحر المتوسط شمالاً إلى رأس الرجاء الصالح وضفتي المحيط الهندي والأطلسي الجنوبي جنوباً... حيث يبدأ "عصر التحرر الوطني والحياد الإيجابي".


*****


في الثالث والعشرين من يوليو /تموز 1952م؛ أنقلبت معايير الحكم من ملكية فاسدة مهترئة وأحزاب منخورة بسوس سياسة التباهي والمقامرة إلا اللمم؛ ليعاد تنظيم البناء من جديد؛ في دولة وطنوية/قوموية تحاول أن تكون الدولة/ النموذج لكل الأشقاء والأصدقاء في العالم بجهد مؤسستها العسكريتارية المسؤولة أمام الله والتاريخ عن مصر وأمنها وأمانها.


في الثالث والعشرين من يوليو /تموز 1952م؛ صار لمصر طعم آخر وصورة جديدة؛ لدولة تبتني وتستزرع وتستصنع؛ وتتحدى كل القوى التي تتربص بها وتحاول الاستفادة من ثُغرات الواقع والتجربة والخطأ منهاجاً بديلاً؛ لمجتمع رأسمالوي قديم لا تتوفر به مواصفات وقوى هذا النظام؛ أو مجتمع متمركس شيوعوي بحكم أن مصر في قلبها الأزهر الشريف؛ فلم يكن إلا ماكان مع خوض كافة التحديات والتجارب.


في الثالث والعشرين من يوليو /تموز 1952م؛ كان بدء "مشروع النور" بمجانية التعليم الإلزامي من الابتدائي إلى الجامعي وما بعد الجامعي؛ وبرامج الاستصناع والاستزراع المختلفة... تختلف أو تتفق مع النتائج والمتحقق؛ لكن عليك الاعتراف بحجم وأهمية ما حدث؛ وإلاَّ كنت من العميان الذين لا يبصرون؛ وليست لهم قلوب لا يفقهون بها معنى "النور"!!


******


في الثالث والعشرين من يوليو /تموز 1952م؛ بدأت التجربة وتطورت وانتجت تحولات بنيوية في عمق المجتمعين المصري والعربي والأفريقي فكان جمال عبد الناصر أيقونة الوطنية والحرية والتنمية والتي صارت تمثل رمزاً يعرف قيمته المناضلون في كل أرجاء الدنيا.


 في الثالث والعشرين من يوليو /تموز كل عام؛ تشرق في نفوسنا شمس نعرف وجهها الصبوح، تأتي إلينا بالإشارة والبشارة على الرغم مما يحيط بنا من اسوداد وانهيارات وضلالات؛ فنحن الجيل الذي عاش، وسمع، وأدرك معنى مقولة: " ارفع رأسك يا أخي فقد مضى عهد الاستعباد"٠


يأتي إلينا وجه جمال عبد الناصر من عمق هذا التاريخ، ليذكرنا بالعزة والكرامة من جديد، أيام كنا أبناء الثورة، وجيل نتاج فعلها، ومحيطها البشري الذي تعلم في مدارسها؛ وارتدى نسيج قطن مزراعها "طويل التيلة" الذي نسجته مصانعها، وركب سيارات وأتوبيسات انتجتها ماكينات وأيدي وسواعد عمالها الأشراف، واستخدمت الأمهات المصريات الثلاجات والغسالات انتاج "المصانع المصرية"،... إلخ


*****


وهذا ما لا يدرك معناه الكثيرون من "ببغاوات" هذا الزمان؛ كباراً وصغاراً، والذين يشكلون قطعاناً إلكترونية ضاعت في الغيبوبة؛ فتفرغت لتمارس الزعيق الأجوف؛ وتكشف تغافل وعيها عن وجوبية تلك الضرورات الباترة لحكم ملكي فاسد قلباً وقالباً، كان يعيش في كنف الاحتلال البريطاني؛ وكان يتلاعب فيما يظن أنها حياة سياسوية تقليدية بأحزاب إقطاعية ونخبوية انتهازية عميقة؛ لم تغير من واقع الفقراء شيئا!


والمؤسف أن هناك من النخب المصرية المزيفة والمضللة ابنة مرحلة ثورة النور وما تلاها من مراحل صارت مصابة في وعيها بالتسرطن السياسوي؛ فأخذت تنحاز إلى متوهمها في مربع التضاد مع هذه الثورة وناصر رمزها الكبير.



والمؤسف أن هذه النخب ومنها المهندسون والأطباء والمدراء والمحاسبون والمحامون والإعلامويون غير المضارين من تلك الثورة؛ لأنهم لم يكونوا من أبناء الإقطاع أو رأس المال القديم؛ حيث استفادوا من مشروع هذه الثورة التي وضعتهم في المربع النخبوي والتي لولا هذه الثورة لكانت هذه النخب البلهاء لا تزال تعدو أجيرة بالتبعية في حقول الأقطاعيين؛ وتتعمق في أقدامهم كآبائهم وأمهاتم "الشقوق" التي تختبى بداخلها ثعابين الأرض والضفادع والصراصير؛ أو كانت من هوامش العمالة المستأجرة بوجبة طعامها في أحد مصانع النسيج.


لذلك فإن أفراد تلك القطعان الالكترونية راهناً من المتأخونين المضللين أتباع حسن الساعاتي البناء الماسوني؛ والمتأدلجين أتباع ماضوية النظرية؛ والمتنشطين في "سويقة" المتاجرة ببيع متوهم الديموقراطية بالدولار؛ كلهم عادوا لاجترار وصف حدث ثورة ذلك الزمان بالانقلاب؛ ورجال ذلك العهد بالعسكر... ومنهم من لا يزال يواصل انتاج ذلك الخطاب الأعمى المتداعي ذاته بتعميق الصورة الذهنية السلبية، وإعادة اجترار المقولات القديمة عينها، حول ما يحدث راهناً برعاية المؤسسة الوطنية العسكرية المصرية الشريفة من جهود إعادة البناء وإنقاذ مصر من سيناريوهات الربيع العبروي المتصهين؛ باستدعاء اصطلاح الانقلاب والعسكر من جديد؛ لأن ثورة يونيو/حزيران الجديدة هي الإبنة الشرعية لثورة يوليو/تموز المجيدة؛ وهي التي التفت حولها الملايين بعد أدركت كارثة تمكن الجماعة الماسون البنائية من المصير الوطنوي!!


*****



إن هؤلاء الذين جعلوا من أنفسهم خصوماً لتاريخ شعب ووطن وأمة يوليو/تموز1952م... ترى إلى الشخص منهم منزلقاً في كلمات خرقاء؛ حين ينظر إلى تجربة "ثورة يوليو1952" نظرة الجاهل، من دون أن يتأمل ولو لبرهة... أن قدرته تلك على ممارسة القول ما كانت ستتوفر له يوماً في غياب ما أتاحته تلك الثورة له من مجانية التعليم المطلقة للجميع، ولظل على حاله وأسرته من عموم الحفاة العراة في الريف البئيس؛ ويعمل وأبوه وأخوه وأمه وأخته في أرض وحقول الباشاوات والاقطاعيين. ولو لم يستمتع بالتغيرات الهيكلية التي أحدثها فعل ناصر في المجتمع المصري لظل منسحقاً في درجة السلم الاجتماعي الهامشي.


"مجانية التعليم" التي أحدثتها "ثورة يوليو" هي التي اتخمت مصر بأساتذة جامعات؛ وأطباء ومهندسين وصحافيين؛ وخبراء في كل الحقول المعرفية والتخصصية، أحدثوا بعد "اتفاقية السادات" نُقلات في دول الهجرة المؤقتة بالخليج، غير أن الفريق الناقم على "ثورة يوليو" والدولة الراهنة؛ هو من الذين لا يبصرون كل ذلك، لأن الغرض المتمكن منهم مرض.


*****



ليس معنى هذا القول تقديس "التجربة الناصرية"، وعدم دراستها موضوعياً بظروف عصرها، وتحديات تلك المرحلة، وما فرضته من قرارات وإجراءات؛ ولكن ينبغي ألا ننظر إليها بحقد سياسوي أعمى. يهدي الله هؤلاء الى الحق... لأن الملايين التي خرجت لوداع جسد ناصر شكلت أكبر وداع عزاء في التاريخ؛ حيث حفر ناصر مكانه الخالد في القلوب ولا يزال إلى الآن مذكوراً بالخير من الملايين وكثير منهم لم يروه.


وإذا أحب أحد الناقمين على ناصر أن أذكره بجذوره الاجتماعوية؛ فليقل لي من هو؛ ومن هو على الأقل أبوه؛ ومن أين خرج؟ ومن دون شك ستكتشف أنه من جموع المستفيدين من تعميم وتوسيع مجانية التعليم الأساس والجامعي التي أتاحتها "ثورة يوليو" لتذهب بها إلى القرى والنجوع والمحافظات ليستفيد بها الشعب المصري. 


*****


وحين يرد ذكر "ثورة يوليو"، التي لا تغيب عن وجداننا وأذهاننا... يهل دوماً وجه "جمال عبد الناصر"، الذي كتبت حزناً على وفاته قصيدة طويلة؛ ألقيتها حين كنت شاباً عشريني العمر في "مهرجان تأبينه" الذي أقيم بدار الأدباء في القاهرة العام 1970م؛ وشاركت فيه نخبة من أكبر شعراء الأمة العربية على مدى يومين تكتب ملحمة الحب والوداع لناصر.


ومن أبيات قصيدتي التي أختارها في هذه المناسبة؛ أقول في رثاء ناصر الحبيب:


كُنْتَ صُبْحَاً مُبَارَكَاً، بَعْثُهُ لَمْ
يَشْهَد الشَّرْقُ مِثْلَهُ فَعًّالا

عَرِفَتْكَ الشُّعُوبُ فَجْرَاً تَجَلّى،
وَجَسُوْرَاً، وَمُبْدِعَاً صَوًّالا

فَحَمدَنَا الْإِلَهَ خَيْرَ ثَنَاءٍ،
وَشَكَرْنَاهُ، أَنْ حَبَانَا جَمَالا

وَاتَّبَعْنَاكَ، قَائِدَاً خَالِدَاً، لا
يَنْثَنِي للصِّعَابِ، فَذَّاً مِثَالا

وَافْتَقَدْنَاكَ مُهْجَةً، وَفُؤَادَا
وَسِرَاجَا،ً ومِشْعَلاً، وَهِلالا

وَمَشَيْنَا، شِعَارُنَا بِالدِّمَا والرُّوْحِ،
لابُدَّ أَنْ نَسِيرَ عِجَالا

وَحَلفْنَا، نُحَقِقَ النَّصْرَ حَتْمَاً،
وَحَلفْنَا، نُحَطِّمَ الْأغْلالا

أَنْتَ حَيٌّ مُخَلَّدٌ، وَكِفَاحٌ،
كُلَّمَا أنْكَرُوهُ، زَادَ جَلالا

أَنْتَ مِصْرٌ، وَمِصْرُ قَاهِرَةُ الأزْمَانِ،

فَانْهَضْ وَكَذِّبَ الأقْوَالا


--------------------------------------------------"رأفت السويركي"


الأحد، 11 يوليو 2021

 تفكيك الخطاب النخبوي الدبلوماسوي المتسيس (  149 )

 "حروب الاستراتيجية الناعمة"... مقولات سامح شكري حول "سد أبرهة الأشرم"... أنموذجاً!!

---------------------------------------------------------------

الصور من شبكة الانترنيت

ينبغي قراءة الخطاب الذي ألقاه وزير الخارجية المصري سامح شكري أمام جلسة مجلس الأمن الدولي يوم الخميس التاسع من يوليو/ تموز2021 باهتمام شديد وتركيز كبير، وببرود انفعالوي؛ لأن هذا الخطاب يتوج نموذج ذروة سيناريو ما يمكن تسميته في سياق العلوم السياسوية "الاستراتيجية الناعمة". وهي النمط الذي يُضمر "مختبئ القوة الخشنة".


وهذا النسق الدبلوماسوي المثير للالتباس لدى نمط تفكير التلقي الشعبوي الجامع حتى للعديد من فصائل النخب المصرية غير القادرة على القراءة الجديدة للواقع؛ يثير ردود انفعالات بلغت من الحمق مداها؛ إذ تأتي كاشفة لظاهرة انفصال هذه النخب عن مناخات العالم الاتصالوي الذي جعل الدنيا كلها قرية صغيرة؛ وهو ما يدل على أن هذه النخب المصرية بالتحديد بعيدة كما يقال بُعْد الْمَشْرِقَيْن عن متغيرات النهج الدبلوماسوي؛ وتطورات نمط معالجة أو "إدارة الأزمات"؛ وسيناريوهات "الإدارة بالأزمة"؛ وسيناريوهات "إدارة الأزمة".




*****


خطاب سامح شكري أمام جلسة مجلس الأمن الدولي كان يتوج إبراز نمط "الاستراتيجية الناعمة" التي تتميز بها الدولة المصرية الراهنة؛ والتي قامت بتوظيفها في كافة "الصراعات الحمائية" لمجالاتها الحيوية في البر والبحر والجو؛ بناء على معايير ومرتكزات "قوتها الخشنة الكامنة" والتي كانت محكومة بخطابات قصيرة العبارات من نوعية: "مسافة السكة"؛ و"خط أحمر"؛ و"لن نفرط في نقطة ماء واحدة". 


وهذه "الاستراتيجية السياسوية الناعمة" التي تلتزم بها الدولة المصرية الراهنة؛ في الوقت الذي لا تلقى فيه الرِّضاء والقبول من بعض فصائل النخب مزيفة الوعي بمربعاتها السياسوية العقدوية (جماعة حسن الساعاتي البناء) والإيديولوجية (شرائح من المتمركسين) والوظيفوية ( جمعيات المتنشطين الدولاريين)؛ فهي تعني أنها فقيرة الإدراك للتحولات البنيوية لهيكل الصراعات على الموارد في العالم؛ وتكشف مدى عجزها عن الإدراك الذكي الذي تبرزه مخازن التفكير والقرار لدى الدولة المصرية.


*****


إن الخطاب السياسوي المُشْهر من الدولة المصرية حول قضية "سد أبرهة الأشرم" في الحبشة المروج له تضليلاً باسم "سد النهضة"؛ والذي وصل إلى قمة آدائه الاحترافوي في عالم السياسة الجديد؛ بقدر ما يثير الالتباس لدى النخب المتهافتة الخطاب ومغيبة الوعي؛ يعكس مدى آليات التطور المتحقق في مناهج استراتيجيات خوض الصراعات المفروضة على الدولة المصرية في حقول سياسات السيادة والحقوق والمصالح والقوة الذاتية المتهيئة لحماية هذه المنظومة.


ففي الوقت الذي تسلك فيه الدولة المصرية نمطية التصارع وفق الأدوات الجديدة التي صارت من مستقرات أساليب العولموية الزاحفة في السياسة والاقتصاد والثقافة؛ لا تزال شرائح كبيرة من النخبتين المصرية والعربية لم تغادر خنادقها النظرياتية الماضوية المتكلسة؛ ولم تتطور أدواتها في فهم التصارع الراهن.


وحين تتابع جدران النخبة شعبوية التفكير في فضاءات "فيسبوك" و"تويتر" في مسألة قضية الساعة المتعلقة بـ "سد أبرهة الأشرم" المعروف بـ "سد النهضة" تكتشف وصول علل هذه النخبة الهابطة التفكير والوعي لحالات من التردي السياسوي غير المسبوق. وليس لهم غير التحريض المضاد المباشر بفجاجة للدولة المصرية أو المستتر عبر الدسيسة؛ من دون الالتزام بالمساندة للوطن في مرحلة ذات حساسية فيما نظامه حقق من المنجزات الملموسة الكثير.


*****


إن تفكيك خطاب سامح شكري وزير الخارجية المصري أمام "مجلس الأمن" يقدم التصور المدروس لكيفية قراءة ما أسميه "الاستراتيجية الناعمة" للدولة المصرية في مرحلة "ما بعد مشروع سيناريو الربيع العبروي المتصهين" ؛ والذي أفلتت من ربقته تلك الدولة الراسخة بفضل قوة وثبات مؤسستها العسكريتارية الوطنية العظيمة.


واصطلاح "الاستراتيجية الناعمة" ليس مستعصياً على الفهم والإدراك من هذه النخبة التي تحركها حساباتها الخاصة المسبقة؛ والتي تتمسك بأقنعتها القديمة؛ وترفض الاعتراف بالتحولات المنهاجية التي طالت ميادين الآداء السياسوي في العالم الجديد الذي نعيشه ونندرج في قوانينه.


*****


إن النخبة المصرية والعربية التي تشعل الفضاء الافتراضوي بلطمياتها وصراخها حول "سد أبرهة الأشرم الحبشوي" ليس من مستهدف لها سوى تلويث سمعة الدولة المصرية بإدارتها الراهنة؛ أو ما يوصف بالنظام السياسوي الذي يديرها الآن. ولعل موضوعة هذا السد الذي يحتل موقع "حديث الساعة" الراهنة لا ينفصل لدى هذه النخبة المتردية عن قضية "تيران وصنافير" و"حلايب وشلاتين" و"مشروعات إعادة بناء البنية التنموية المترهلة"؛ و... إلخ.


ومشكلة هذه النخبة الغوغاءوية التي لا تتوقف عن تكرار عبارة "نضرب السد بطائرة" وكأنهم خبراء عسكريون أنها ـ تلك النخبة ـ لا تريد أن تخرج من سراديبها ودهاليزها الفكرانية لتعرف أن الخطاب السياسوي العولموي قد تغيرت مفرداته وموسيقاه التعبيروية وإيقاعاته؛ وغادر نمط "الخشونة السابقة" والتهديد بالقوة والتدمير والغزو والتفجير؛ أغنية فهد بلان أنموذجاً:" ويلك ياللي تعادينا ويلك يا ويل/ شف النار تلاقينا بظلام الليل/ حنا للسيف للسيف/.../ وحنا لليل والخيل يا ويل يا ويل يا ويل"!!


*****


إن خطاب سامح شكري الأخير أمام "مجلس الأمن الدولي" ينبغي أن يخضع لدراسات تفكيك الخطاب باعتباره أنموذجاً تطبيقوياً حيَّاً لنهج "السياسة الذكية" و"الاستراتيجية المصرية الناعمة".


فاللغة السياسوية المصرية غادرت نهج "حِنَّا للسيف" وانسربت في طريق "الأشقاء والأحباء"؛ ونسيت أسلوب "سندمركم ونهد الدنيا فوق رؤوسكم" وتعمقت في نشيد "من حقكم التنمية بل سنشارك معكم في تحقيقها"؛ ولم تنجرف في ردود الفعل المطلوبة بالتهديد وإشهار العداوة والزمجرة والتكشير عن الأنياب!


إن اللغة السياسوية المصرية الجديدة  تجاه "سد أبرهة الأشرم الحبشوي أنموذجاً" تكشف حسب موازين القوة الاستراتيجوية قيم الثقة المصرية؛ ومساند الفعالية الميدانية وموروثها التاريخوي وقدراتها المحسوبة بالأوزان السياسوية العميقة؛ وبالمنطق العلموي والعولموي؛ المتكئ إلى قواعد السياسة الدولية المستقرة في العالم واستراتيجيات القوة الناعمة للقرن الحادي والعشرين.


*****


وإذا كان الخطاب السياسوي المعمم من فريق "نظام أبرهة الأشرم الحبشوي" الحاكم يحمل صلفاً كذوباً ومدَّعىً وغوغاؤيةً مفرطةً؛ فهو تعبير عن التهافت والتداعي الحبشوي غير المستند إلى مقارنة معايير القوى الاستراتيجوية كما يلي:


-  وفق الموازين العسكريتارية (الجيش المصري في المركز الـ 13 عالمياً والأول أفريقياً وجيش أبرهة الأشرم/ الاثيوبي في المركز الـ 47 عالمياً والـ  8أفريقياً ).


- وحسب معايير "الموقع الجيوسياسوي" في القارة الأفريقية والربط مع القارات الأخرى يكون الوزن المصري أهم (أوروبا وآسيا وقناة السويس) فيما الحبشة (افريقيا فقط).


- ومع السمة الحضاروية التي تتميز بها مصر عبر التاريخ تكون متغلبة مقابل الفقر المماثل لدى الأحباش.


-  ووفق معيار الرسوخ الديموجرافي السياسوي للنسيج البشري في مصر فهو مستقر؛ مقابل الفسيفساء الديموجرافية في دولة الأحباش والمعتمدة على القبائلية المفككة "الأورومو والأمهرة والتيغراي" إلخ وتنتظرها الحروب الأهلية ( إقليم تيغراي أنموذجاً)!!


*****


ومن هنا يبدو معامل الثقة المصرية عالياً لذلك تستخدم "الاستراتيجية الناعمة" في إدارة "سيناريو الأزمة" التي كانت سيناريوهات الربيع العبروي المتصهين من أسباب قيام دولة الأحباش ببناء السد.


ومن مواصفات "الاستراتيجية الناعمة" الخروج بالمشكلة من "النسق المغلق" المحدود ( طرفا المشكلة) إلى "النسق المفتوح" وفق مقتضيات العولموية ونمط القوة الناعمة المهيمنة الراهنة؛ لذلك حركت الدبلوماسية المصرية المشكلة للفضاءات المختلفة: "جامعة الدول العربية"؛ و"الاتحاد الافريقي"؛ و"مجلس الأمن الدولي".


وقد ألتزمت الدبلوماسية المصرية الناعمة بخطاب محدد الثوابت؛ لم يتغير حسب كل نسق سياسوي انتقلت إليه. ما يعني أن استراتيجيته الحاكمة ليست عشواءوية؛ وإنما مدروسة؛ ومخطط لها. وإذا كانت مقدماتها معروفة... فإن خاتمتها محددة وغير منفصلة عنها.


والذكاء المصري الاستراتيجوي بمواصلة نقل مشكلة "سد أبرهة الأشرم" إلى أعلى هيئة دولية (مجلس الأمن) والمعروفة متغيرات توجهات موازين القوة به؛ وقد اتضحت من ردود الأفعال المختلفة؛ حيث الاكتفاء بمطالبة الأطراف لمواصلة التفاوض؛ وعدم التعنت و... و... إلخ مما لا يرضي دولة تعتبر النيل شريان الحياة لها ولا بديل له. لذلك فإن النتيجة المعلومة مسبقاً بهذه الخطوة هي تحييد هذه المؤسسة الحاكمة في السياسة الدولية؛ وتقليم أظافرها عن التدخل إذا انتقلت المشكلة لمربع التطورات العسكريتارية عقب أغلاق الباب الدبلوماسوي وإثبات انقضاء فعاليته؛ بتعنت حفيد أبرهة الحبشي الأشرم المتصهين "آبيه أحمد".

*****


ويكفي الإمساك بالخطوط العامة "المنشورة والمسموعة" لكلمة سامح شكري أمام مجلس الأمن الدولي لإدراك ملامح قوة "الاستراتيجية الناعمة المصرية" وهي تتحدد بتركيز شديد في أن:


- 100 مليون مصري يواجهون تهديداً وجودياً.


- مصر ظلت ولا تزال على دعمها لاستقرار إثيوبيا ورفاهية شعبها.


- دولتا المصب (السودان ومصر) باتتا أكثر عرضة لمخاطر سد النهضة في ظل عدم وجود ضمانات بشأن معاملات أمانه وسلامته الإنشائية.


- دعونا أشقاءنا (الأحباش) الذين نشاركهم ثروات النيل إلى التحلي بالمسؤولية والاعتراف بترابط وتشابك مستقبل وثروات شعوبنا.


- المنهج الإثيوبي الأحادى يُهدد بتقويض الأمن والسلم فى المنطقة.


- التعنت الإثيوبي سبب الاخفاق المستمر لمفاوضات سد النهضة.


- مصر جاءت إلى مجلس الأمن العام الماضي لتحذر المجتمع الدولي من خطر سد النهضة الإثيوبي الذي لاح في الأفق.


- الجنوح (الحبشي) لفرض الأمر الواقع على دولتي المصب (مصر والسودان) تحد سافر للارادة الجماعية للمجتمع الدولي .


- هذا الوضع لأزمة سد النهضة يمكن أن يعرض الأمن والسلم الدوليين للخطر.


- لا يوجد أمام مصر بديلًا إلا أن تصون حقها فى الحياة، إذا تضررت حقوقها المائية. 


*****


وهنا نتذكر الكلمة الرسولية الكريمة "رُفِعَتْ الْأَقْلَامُ وَجَفَّتْ الصُّحُفُ"؛ والتي تعني أن الدولة المصرية حددت خطواتها في سيناريوهات التعامل مع الأزمات الحافة بوجودها بهدوء الصفعة المدوية التي تحيط بها ابتسامة عريضة إذا غادر ملف" سد أبرهة الأشرم الحبشي" أروقة وزارة الخارجية المصرية إلى "غرفة عمليات القوات المسلحة المصرية"؛ والتي درست الملف بما يتناسب مع خصوصية الحالة وشكلت حزام الإحاطة العملياتية في أفريقيا به بحفظ الله وتوفيقه.



                                          "رأفت السويركي"