الخميس، 5 يناير 2017

"صوتية" شعر: رأفت السويركي

"صوتية"
 ------------

                                                شعر: رأفت السويركي

وَحِيَداً،

كُنْتُ أَرْسُمُ فِي الصَّدَى

حَرْفَاً،

يُخَاطِبُنِي،

فَيَفْهَمُنِي.

وَحِيَدَاً،

قُلْتُ أُغْنِيَتِيْ ___________                                                 

هذه القصيدة التي تنتمي إلى حقل "اللُّمْحَة الشعرية" نُشرت في مجلة "الأقلام العراقية" يوليو/ تموز 1990م وأسعد أيضاً بمشاركتم فرحي بها، وبالمناسبة الصورة هي صورة قطتنا المشاكسة " نعومي".
---------------------------------------

الثلاثاء، 3 يناير 2017

تفكيك العقل النخبوي الإعلاموي المهيمن سياسياً ( 54) "ذاكرة الذبابة" تميزهم... يطيرون ويدورون ويستهدفون "رئاسة السيسي"!!

تفكيك العقل النخبوي الإعلاموي المهيمن سياسياً ( 54)
"ذاكرة الذبابة" تميزهم... يطيرون ويدورون ويستهدفون "رئاسة السيسي"!!
-------------------------------------------------------

في مفتتح هذه الكتابة التفكيكية لخطاب شريحة من شرائح العقل النخبوي الإعلاموي المهيمن سياسياً... ينبغي أن أقدم الاعتذار إلى "فصيلة الذباب المنزلي"؛ حين أستعير صفة من إحدى الصفات التي راجت حولها بأن ذاكرتها محدودة الزمن "3 - 5 ثوان"؛ حيث تنسى "الذبابة" خلال دورات دورانها العنيد للحصول على مذاق السكر أنها تعرضت للإبعاد مرات عدة عن المكان الذي تستشعر أنه "حلو المذاق" غير أنها تنسى وتعاود ممارسة حركتها بإصرار أقرب إلى الغباء!

ذاكرة الذبابة تحولت الى دعابة على افواه المصريين ، 
وهي تشابه ذاكرة بعض النخب الناقمة على الدولة. 

ولم يجد العقل التفكيكي مفراً من استدعاء صفة "ذاكرة الذبابة" في التوصيف القياسي لتلك الشريحة النخبوية؛ التي تواصل استخدام "مسلكية الذبابة" في الدوران حول موضوعة واحدة هي "رئاسة السيسي" للدولة المصرية في المرحلة الراهنة؛ من دون مانع أو رادع ذاتي يجعلها تتوقف لتمارس فعل التفكر في نوعية انتماءاتها؛ ومواقفها السياسية والاجتماعية؛ ومدى صواب منطقها في صناعة الخطاب.

الذبابة تستعد للدوران والهبوط على هدفها متناسية محاولات منعها. 

وفي محاولة اكتشاف "ذاكرة الذبابة" التي تتميز بها بعض عناصر النخبة الإعلاموية، ويكشفها الخطاب الذي تروجه عبر المطبوعات الورقية والمواقع الالكترونية؛ لذلك ستجري الاستعانة بمنطوق عباراتها، محددة بالتنصيص بين مزدوجين من دون الإشارة إلى الإسم؛ فالأمر يتجاوز الأسماء بعيدا عن "شخصنة الأمور" إلى الوقوف على مكنون الخطاب "المسكوت عنه" بصفة إجمالية؛ والمقصود من تلك الكتابة المماثلة لنمط حركة ذهنية الذبابة المنزلية!!

*****

لقد شكل الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي كما تقول العرب "مربط الفرس" في مستهدف كل الخطاب الإعلاموي السياسوي لتلك النخب؛ حتى لكأن العقل التفكيكي يشعر أن هناك ثأراً عميقاً بين هذه النخب وعبد الفتاح السيسي كرئيس لمصر.

وإذا أزيحت من المشهد الشريحة النخبوية المنتمية إلى التيار العقدي المتأخون باعتباره هادم حلم مشروع التمكين لتلك الجماعة؛ فإن مبررات الشريحة الحاملة للفكر المتأدلج والشرائح الأكاديموية والشرائح العشوائية المواقف تدعو للشعور بالشفقة تجاه خطاب هذه النخب لانفصاله عن أسانيد التحليل الموضوعي.

ففي الوقت الذي ينبغي أن يُقام خطاب هذه النخب على قواعد وأسس موضوعية صحيحة؛ يكشف الجهد التفكيكي المقدار المرعب من تهافتها في التفكير بالمقولات التي تنتجها؛ والتي تسيىء إلى القواعد الفكرية التي ينبغي أن تعبر عن عقلها؛ إذا كانت أتقنت حقاً معرفة قوانين الجدل المادي، وقواعد التحليل السياسي، وآليات بُنى الواقع الاقتصادي وتمركزاته.

إن العديد من خطابات تلك النخب يثير علامات التساؤل حول منتجيها بألقابهم الوظائفية إذا كانت أكاديموية الارتباط؛ إذ أن كثيراً من مقولاتها لا تختلف عن مقولات ما يُسمى "رجل الشارع" ذلك التعبير الواصف للفرد غير الاختصاصي في الفكر السياسي أو الاقتصادي أو الاجتماعي.

*****

وسوف يكتفي الجهد التفكيكي في هذه الكتابة الراهنة بالبدء بمقولات خطاب إعلاموي تجده إمَّا تكراراً لخطاب أكاديميين من حاملي ألقاب الدكتوارة؛ أو دوراناً في فلك المناخ الجمعي الذي روجته وسائط التواصل الاجتماعي، ويكرسه بعض كُتَّاب الأعمدة في الصحافة الورقية أو الالكترونية.


بعض الُكتَّاب من هذه النوعية يعترف بصراحة هذا نصها: " حتى هذه اللحظة لم أتمكن، رغم متابعتى الجيدة لكل ما يقول السيسي، أن أكوّن فكرة عن توجهاته الأساسية وانحيازاته الحقيقية، وكذلك استراتيجيته بالنسبة للسياسة الخارجية".


ولتفكيك هذا الخطاب المتداعي يقال أن فقدان ذلك الكاتب أو الكاتبة قدرة التحليل العلمي لبنية المجتمع المصري، وتحولاته البنيوية منذ خمسينات القرن العشرين، وإدراك مستجدات وتحولات الواقع العولمي ما أفقده القدرة على القراءة الموضوعية ليعرف توجهات وانحيازات السيسي الحقيقية؛ وكذلك استراتيجيته للسياسة الخارجية.

ولأن ذلك البعض قد يتقن ثقافة الماكياج والتجميل أكثر من معرفته بالثقافة والاقتصاد السياسيين؛ فإنه لا يعرف أن البنية الطبقية للمجتمع المصري تشوهت خلال المرحلتين الساداتية والمباركية؛ بتحول سياسات الزراعة من القطن والأرز والذرة والقصب إلى زراعات "الفراولة" و"الكنتالوب"؛ وتبوير الأراضي الزراعية لتفقد مصر قدرتها على زراعة ما تأكل.

ولأن البعض أيضاً لم يتأسس على ممارسة القراءة النافعة أكثر من الروايات قبل الخلود للنوم؛ فإنه لا يطيق الاصطبار على مكابدة قراءة الدوريات والمراجع ذات المواد الدارسة للواقع؛ ومعرفة مؤشراتها الدالة اقتصادياً وسياسياً؛ لذلك لا يدرك تحولات تشويه مجتمع كان ينتج غذاءه وكساءه ووسائل انتقالاته... إلخ إلى مجتمع يعيش عالة على الدولة "6 ملايين موظف"، ويعاني بطالة مخيفة وصلت في المدن إلى 12.8% من قوة العمل وتقل عن ذلك في الريف.

ولأن هذه النوعية التي تفتقد إلى الفهم الشامل للأمور لم تدرك أن عدد السكان الذي يضاف إليه مليون رأس جديدة كل ستة أشهر، وصل إلى معدل زيادة متوحش بلغ 8 أضغاف كوريا الجنوبية و5 أضعاف الصين مقترباً من الـ 92 مليون نسمة؛ يعني وجود إشكالية اقتصادية اجتماعية وثقافية مخيفة؛ في ظل هيمنة خطابات عقدية تباهي بكثرة العدد؛ فإنها تسبب خللا اقتصادياً يحتاج إلى ما يشبه المعجزة للتعامل معه.


ولأن هذه النوعية من الكتاب لا مصدرية لمعلوماتها أكثر مما ينتشر على "تويتر" و"فيس بوك، وما تكتبه بعض نخب "فصيلة القردة العليا" ذات الوظائف مدفوعة المقابل الاستخباراتي؛ فهي تأخذ مقولاتهم باعتبارها حقائق ثابتة، ولا تدرك أنها مدفوعة الأجر مسبقاً ومزيفة، ومندرجة في إطار حروب الجيل الرابع والخامس والسادس المعاصرة... لذلك تردد بطريقة الببغاوات ما يلقى على مسامعهم من آراء؛ وبالتالي تفشل في معرفة توجهات الرئيس السيسي الأساسية وانحيازاته الحقيقية، واستراتيجياته.


ولأن هذه النخب خاصة حديثة العمر لم تتأسس تعليمياً، ولم تعش في مناخات الدولة الوطنية التي كانت توصف بأنها "دولة قومية"؛ فقد نشأت ونمت في أجواء "الدولة الهشة" التي سطت الرأسمالية الطفيلية على مقدراتها وفككت قدراتها؛ فعاشوا في مناخات الدروس الخصوصية، والغش التعليمي، والعلاج في المشافي "المستشفيات" والعيادات الخاصة. لذلك فقدت الرؤية على امتلاك معرفة توجهات وانحيازات السيسي واستراتيجياته.


*****

وإزاء هذا العجز الفادح عن القراءة العلمية لحقائق الواقع الذي تعانيه بعض النخب الإعلاموية فليس ما يدعو للدهشة أن يسطر البعض منهم الأسئلة التالية بالحرف للرئيس السيسي كما يلي: 


- "هل داخ السيسي على الصيدليات بحثاً عن علبة لبن لواحد من أطفال عائلته؟"؛ "هل ذهب السيسي مع قريب من عائلته «الغنية جدا» إلى أحد مراكز الغسيل الكلوي في مستشفي حكومي، ثم فوجئ برفض استقبال قريبه لعدم وجود مكان؟"؛ "هل ذهب بقريبه إلى أحد المستشفيات الخاصة، وعرف قيمة الغسيل بعد انهيار الجنيه؟"؛ "هل بحث السيسي ليلاً عن دواء الضغط فلم يجده متوافراً في الصيدليات؟". والإجابة على هذه التساؤلات: أليست الحالة المتردية للعلاج في مصر راهنا هي نتاج انسحاب الدولة الساداتية والمباركية من مجانية العلاج لصالح رأسمالية أباطرة الطب والقطاع الطبي الخاص؟، فهل يتحمل السيسي فاتورة من كانوا قبله؟

إقبال مخيف من المصريين على احد المولات التجارية في صور 
تناقلتها السوشيال ميديا. هل الظاهرة تثبت فقر المصريين؟! 

- " هل امتنع السيسي عن أكل اللحمة إلا مرة أو مرتين شهريا، لأنها أصبحت ترفا لا يقدر عليه؟"؛ "هل وقف السيسي في طابور طويل من أجل الحصول على كرتونة أغذية مدعومة يوزعها الجيش؟"؛ "هل بحث السيسي عن كيس سكر لتحلية الشاي فلم يجده؟". والإجابة موجودة كذلك لدى الرأسمالية الطفيلية المتسرطنة، والسيسي لم يكن رئيساً حين اعتمدت الدولة الساداتية المباركية الاستيراد الخارجي بديلأ عن تنمية الثروة الحيوانية والداجنة.

  
تكدسوا في طوابير انتظارا لفراغ المول حتى يدخلوا للشراء.

- " هل شعر السيسي بالعجز وهو يرى ابنه خريج الجامعة يعاني البطالة لأكثر من 5 سنوات؟"؛ والإجابة موجودة لدى مخطط تفكيك مصانع الخمسينات والستينات في العصر الساداتي المباركي؛ وتحويل أجيال الآباء والأبناء إلى طوابير البطالة والتعطل والخدمات الهامشية لتنمية نشاط المقاهي والكازينوهات. 

 بطالة مخيفة انتاج الانفلات السكاني وافتقاد الدولة قدرتها على الصناعة والزراعة.

- " هل اختفى أحد أقارب السيسي قسرياً منذ ثلاث سنوات ولم يسمع عنه خبراً؟"؛ "هل يذهب السيسي كل أسبوع لزيارة ابنه المعتقل بتهمة الاشتراك في مظاهرة؟". والإجابة الكاشفة للتضليل في هذه الأسئلة هو استخدام اصطلاح المختفي قسريا؛ لذلك ينبغي أن يقال المحتجز قانوناً وليس معتقلاً؛ والدليل لعدم وجود اختفاء يكمن في حالة كوادر الجماعة المتأخونة وعناصر الإرهاب التي لم تختفِ قسرياً على الرغم من فداحة جرمها بل تخضع للمحاكمة أمام القضاء الطبيعي؟ إن هذا القول يمثل صلب الموضة القولية المروجة ضمن حروب "السوشيال ميديا" ضد الرئيس عبد الفتاح السيسي، وفعالية الجيش المصري المطلوب انهاكها وتفتيتها، ليبقى الجيش الصهيوني الجيش الوحيد الأقوى في الإقليم.

*****

وإذا كانت هذه الكتابة التفكيكية تأتي ليس في معرض الدفاع عن الرئيس عبد الفتاح السيسي كشخص؛ ولكن في إطار كشف النكبة المصرية الحقيقية في نخبها المتهافتة ذات "ذاكرة الذبابة المنزلية"؛ والمعبرة بحق عن طبيعة الثقافة المجتمعية والسياسية السائدة؛ بدءاً من المرحلة الساداتية والتي تكرست في المرحلة المباركية؛ واشتطت في مرحلة التمكين المتأخون المقبورة!!


الرؤية العمياء لتلك النخب الفاسدة الطاقة على القراءة الوازنة تعبر عن نفسها بفضح تهافتها المعرفي والسياسي؛ وتعترف بعجزها عن قراءة طبيعة حركة رأس الدولة المصرية؛ وتحليل أسلوبيته في القيادة؛ وقراءة المؤشرات الدالة على العقل الحاكم لها؛ فالأرضية التي يتكىء إليها عبد الفتاح السيسي في الفعل والحركة؛ هي أرضية المؤسسة الوطنية العسكرية المصرية بأجهزتها الاستراتيجية والاستخباراتية والعملياتية؛ المسؤولة تاريخياً عن أمن وسلامة هذا الوطن والسير به في الملمات التاريخية.

إن هذه الكتابة ليست تنظيراً للعسكريتاريا المصرية؛ وليست تعبيرا عن العبودية للبيادة كما قد يقولون، إذ أن حذاء الجندي المصري أنظف من رؤوس تلك النخب الفاسدة؛ لذلك تأتي إيضاحاً لما خفي عن أبصار تلك النخب؛ والتي من المؤكد أنها تعرفها ولكنها وفق مسلكية "فصيلة القردة العليا" تهرب من القول بها؛ حتى لا تتوقف صنابير الأجر الدولاراتي المفتوحة في حساباتها من المعاهد والمراكز والجمعيات الاستخباراتية الغربية.

*****

  
صورة ذات دلالة لموقف الجيش الوطني اثناء احداث ما تسمى ثورة يناير.
 
إن تلك النوعية من كتابات النخب المصابة بذاكرة "الذبابة المنزلية"؛ تتغافل عن فهم المتغير الموضوعي الكبير الضاغط على الدولة المصرية من الخارج في إطار "مخطط الشرق الأوسط الكبير"، والذي أفشلته المؤسسة الوطنية العسكرية المصرية بذكاء استراتيجي مذهل؛ حيث ضغطت على مبارك بالتنحي في التوقيت الحرج لتجنيب مصر مشابهات "السيناريو العراقي والليبي"؛ ثم أزاحت محمد مرسي وتنظيمه بعد أن باع أكثر من ثلث سيناء أرضاً بديلة تضاف إلى قطاع غزة؛ وقام بإزالة "حلايب وشلاتين من خريطة القطر المصري!!

الجماعة المتأخونة تنشر خريطة القطر المصري من دون حلايب وشلاتين 
مع عملية بيع اكثر من ثلث سيناء للاميركيين والصهاينة العملية التي أوقفها الجيش المصري. 

هذه المؤسسة الوطنية التي تمتلك عقولاً استراتيجية فائقة الذكاء أدارت وتدير ببراعة واقتدار سيناريوهات الدفاع الحربي عن مصر بالتسليح الفائق والتدريب النوعي؛ وتواصل تنفيذ سيناريوهات إنقاذ بُنى الدولة من التداعي والانهيار الاقتصادي "بإنشاء شبكة الطرق والمناطق الانتاجية المتخصصة والعاصمة الإدارية الجديدة " المعبرة عن مصر الجديدة التي تستعد للتكيف مع التطور العولمي في الاقتصاد؛ مستفيدة من إمكاناتها الذاتية المتوافرة في الأموال وعديد الجند؛ والالتزام الفائق بالمقاييس العالمية؛ فضلاً عن نظافة اليد المرتبطة بطبيعة العقيدة العسكرية.

  
العاصمة الإدارية الجديدة علامة اشهار الوجود المصري المستقبلي في الاقتصاد العولمي.
 
النخب المصابة بذاكرة الذبابة لم تفهم معنى ما تساءلت بالقول حوله:" السيسى لم يقُل لنا ماذا كان يعنى بأن تكون مصر «أد الدنيا»، كيف يمكن أن تعود مصر لتكون درة الشرق وهى منكفئة على نفسها غير واعية بقيمتها الحقيقية"؟!!

أبنية جديدة للفقراء وسكّان المقابر والعشوائيات التي تشكلت في عهد مبارك....
 وجميع الصور من شبكة الإنترنيت. 

لقد عميت نخب "ذاكرة الذبابة المنزلية" عن رؤية دلالة الحركة التي يُحدثها الرئيس عبد الفتاح السيسي والمؤسسة الوطنية العسكرية المصرية في إعادة إنهاض مصر من جديد؛ لتتخلص من صورة مصر التي تصفها تلك النخب في أعمدة الصحف والقنوات المملوكة لعناصر الرأسمالية الطفيلية بأنها:" منكسرة راضية بكسرة خبز أو حفنة أرز يرسلها لها المحسنون الذين يطالبوننا بالحمد والثناء والطاعة العمياء"!!

لذلك تهيل تلك النخب تراب التجاهل وتشيع مفهوم التقليل من ضرورة تنفيذ هذه المشروعات العملاقة ومصادرة المستقبل؛ لدفع الدولة إلى تبديد قدراتها وتوجيه الأموال إلى توفير الحاجات الاستهلاكية للبطون؛ وكأن مصر تعيش مجاعة؛ ومن أجل ذلك ينبغي ألا تقوم حركة استنهاض استزراعي واستصناعي جديد؛ لكي تبقى الدولة في الحقيقة رهن إرادة القوى الرأسمالية المحلية الطفيلية القبيحة؛ التي تستغل تعويم الجنيه المصري في تعظيم أرباحها الحرام، برفع الأسعار وسحب السلع من الأسواق؛ لصناعة صورة مغلوطة تجاه الراهن الإيجابي الذي يعيد بناء مصر المستقلة؛ كي تسترد حضورها قوة إقليمية كبيرة؛ بعد تدهور موقعها وفعاليتها خلال المرحلة المباركية. 

*****

المثير في الأمر أن تلك النخب التي لا تتوقف عن الكتابة البائسة، وإشاعة مناخات اليأس والقلق الاجتماعي تتوهم أنها يمكن أن تحرك الشعب المصري إلى الميادين من جديد، كما حدث فيما يسمونه كذباً "ثورة يناير"؛ والتي أحجم الجيش المصري عن التورط في تحويلها إلى الحدث المماثل في سوريا؛ فأدارت مؤسسته اللعبة بذكاء وطني استراتيجي هائل؛ وقدمت ابنها عبد الفتاح السيسي للقيادة نموذجا لمن يريد أن يتعلم ما يفعله الجيش المصري؛ ولم تفهم النخب ذات ذاكرة الذبابة معنى ذلك.

*****

وبمناسبة القول فإن هذه الصحف التي تغمز وتلمز في قيادة عبد الفتاح السيسي وتتضرر من مشاركة المؤسسة الوطنية العسكرية في إنقاذ مصر، تعود في ملكيتها إلى نماذج الرأسمالية الطفيلية التي امتصت دماء المصريين في المرحلة الساداتية المباركية، ومن أنماط بذخها المفرط ما جرى تناقله عن كلفة حفل زفاف ابنة وابن عنصرين من هذه الطبقة ليصل إلى الـ 40 مليوناً خارج مصر!!

فهل تقبل هذه الرأسمالية الطفيلية بنخبها الإعلاموية المسطحة التفكير أن يواصل عبد الفتاح السيسي والمؤسسة الوطنية العسكرية إنهاض مصر قوية من جديد?. "ذاكرة الذبابة المنزلية" لا تلهم تلك النخب إدراك ما سبق قوله؛ لذلك تراهم لا يتوقفون... ويطيرون ويدورون ويستهدفون بالمطاعن "رئاسة السيسي"!!

                                                                         "رأفت السويركي"

--------------------------------------------------


السبت، 31 ديسمبر 2016

تفكيك العقل النخبوي السياسوي الاستخباراتي ( 53) خبراء "فصيلة القردة العليا"... ومهارة القفز السياسي في "ما بعد حلب"!!

تفكيك العقل النخبوي السياسوي الاستخباراتي ( 53)
خبراء "فصيلة القردة العليا"... ومهارة القفز السياسي 
في "ما بعد حلب"!!
-----------------------------------------------------

ما أن استردت الدولة السورية "حلب" التي كانت تُمثِّل قلب مخطط التفتيت المستمر في صورة "سايكس بيكو2"، أو "الشرق الأوسط الجديد" الموضوع للمنطقة والدولة السورية في إطارها؛ حتى بدأت ظاهرة جلسات "اللطميات" التلفزيونية لعناصر أكاديموية وسياسوية وإعلاموية لها من دون شك علاقات موثوقة بأجهزة الاستخبارات المعنية؛ والموظفة فيما يُسمى "مراكز الدراسات والأبحاث وتحليل السياسات"؛ لضخ خطابات مُخَادِعَةٍ تُخفي بها إحباطاتها عبر التنظير والتفسير المُحْبَط لما حدث في حلب.


 

وهذه النُخب لا تزال حتى بعد اتفاق الدولة السورية وما تسمى قوى المعارضة على هدنة إيقاف العمليات العسكرية في جميع المناطق استعدادا لمفاوضات سياسية؛ هي في حقيقة الأمر تهرب من الاعتراف بهزيمة مخططاتها؛ أو تتجنب تعميم الفهم الموضوعي بتحليل الحقائق الاستراتيجية؛ التي كانت فعالياتها مؤثرة ضمن جهد استرداد الدولة السورية حلبها؛ لكنها- هذه النخب – كعادتها المعروفة بدأت في ترويج تصورات سيناريوهات جديدة؛ أغلبها تروج مزيد التوهم حول ما سيطال مكونات القوى التي شاركت في استرداد حلب؛ وفي قلبها تقف الدولة السورية وجيشها العربي؛ وكذلك الحديث عن اعتماد نمط مناطق"حُكم ذاتي" في سورية، فضلا عن ترشيح شخصيتين لخلافة الرئيس الأسد!! 


*****

مَبْلّغُ فجيعة هذه النخب بعد ضياع حلب من بين أيديهم كبير؛ وذلك لفشل تحقق المشروع التفتيتي للدولة السورية ذات الجذور القديمة التاريخ؛ إذ أن "المسكوت عنه" في هذه القضية؛ هو هدف ذلك التخطيط الموضوع من قِبَلِ قوى الصهيونية العولمية؛ والذي تنفذه بالإنابة عنها فوق الأرض العربية قوى اجتماعية ذات عقول نخبوية لامنتمية؛ وهويتها الحقيقية ميليشياوية بثقافتها العقدية الدينية أو الإيديولوجية؛ وهي نخب تمثل قوىً مضادةً لنمط "الدولة الواحدة"؛ القادرة على جمع كافة مكوناتها البشرية على اختلاف عقائدهم ومذاهبهم في سياق واحد اسمه "الوطن".

فهذه النُخب التي تدَّعي الدفاع عن قيم منتزعة من جذورها مثل "الديموقراطية" ليجري المتاجرة السياسية بها؛ هي في الحقيقة نُخب ثقافوية انتهازية بالطبيعة والوظيفة، لأنها لا تنزل بأقدامها إلى أرض القتال كالثوار الحقيقيين، وليس حتى الميليشياويين لتحمل السلاح وتتعرض للقتل؛ بل تكتفي فقط بنضال المقاهي و"السوشيال ميديا" والكاميرات في الاستديوهات؛ لأنها بطبيعة التأسيس وموقعها الاجتماعي تحترف الجلوس على المقاعد الوثيرة في المكاتب المكيفة؛ وكذلك الدوران على أبنية "السفارات" الخارجية، ومكاتب الاستخبارات المعنية لتقبض أثمان ما تروج له من مشروعات التفتيت الوطني؛ وما تنتجه من خطابات التكريس الإعلاموي لمخططات الصهيونية العولمية؛ ومشروعها الجديد "بتفكيك المفكك وتفتيت المفتت"!

ومن يُراقب شاشات الفضائيات المختلفة؛ لرصد ودراسة ردود الأفعال والأقوال بعد استرداد الدولة السورية حلبها من جديد، يضع يده بسهولة على طبيعة نموذج النخبة المرتبطة بالمصادر الاستخباراتية في أعلى ظواهر انتهازيتها الاجتماعية السياسية؛ فهي تستعير من فصيلة القردة العليا مهارة القفز السياسي؛ بحيث لا تتمكن من القبض عليها.

*****

لقد تناست تلك النخب آراءها ومواقفها المسبقة حول حلب، والثقة التي كانت تتحدث بها؛ مع تأكيدها اليقيني المطلق بما وصفته بـ " تحرير" حلب من جيش النظام؛ وخروجها من تحت هيمنة الدولة السورية؛ وحين خيبت الدولة السورية سيناريوهاتهم واستردت حلب؛ إذ بتلك النخب تقفز قفزات فصيلة القِرَدَةِ العُلْيَا فوق الأشجار، لتتحدث راهناً عن تصورات جديدة؛ حسب ما تمدهم بها مكاتب الاستخبارات والأجهزة التي توظفهم.

ومن يرجع إلى خطابات هذه النخب، قبل وخلال جهد الدولة السورية لاسترداد حلب؛ يلمح ثقتهم المغالى في قدرها وهم يقومون بالتنظير وكأن المعارك في حلب محسومة للميليشيات التي يطلقون عليها مُخَادَعَةً بـ "الثوار" فيما يلوثون في الواقع معنى "الثوار" النقي.

فالثائر الحقيقي هو الذي لا يكون في ثورته خارجاً عن مستقرات معنى "الدولة الوطنية" التي يتجاوزها ويهدمها العنصر الميليشياوي، لذلك فهذه النخب الاستخباراتية المنبع يبدو خطابها متهافتاً؛ لأنها تُحْجِمُ عن إعمال عقولها في حقائق وإمكانات وموازين القوى وقدراتها المختلفة؛ وعدم التأكيد على ثابت أن الميليشيات لا يمكن أن تهزم دولة لها جيش محترف؛ وله غطاء جوي مساند، بصرف النظر عن نوعية وتحليل هوية القوى المساندة للدولة السورية لأنها دولة.

كانت هذه النخب تُرتب التحليلات في الخطاب المُروِّج لـ "تَحَرُّرِ حلب" من سياق الدولة المعمول لهدمها؛ بما يجهزها للانفصال؛ وتكوين "كانتون" سُنِّي الهُوية؛ مزمع إنشاؤه ضمن الكانتونات العرقية والمذهبية المتعددة؛ بعد تفتيت الدولة السورية؛ لتحف كل تلك الكانتونات بما يُسمى "الدولة اليهودية" في القلب.

حلب التي صارت راهناً "الحُلم المفقود" لذلك المخطط الصهيوني الرأسمالي العولمي الهادف في حقيقته إلى تأسيس واقع "جيوسياسي" يُعيد تنفيذ المرحلة الثانية من السيناريو القديم، الذي جرى تطبيق مرحلته الأولى على الأرض المفتتة تاريخياً بصناعة "إقليم الهلال الخصيب"، وفق الاصطلاح الذي صاغه عالم الآثار الأميركي "جيمس هنري برستد" دلالة على حوض نهري دجلة والفرات؛ وقد جرى تفتيته سياسياً حسب "اتفاقية سايكس بيكو" إلى دول متفرقة من سوريا والعراق ولبنان وفلسطين والأردن.

وفي المرحلة الثانية التي كانت افتتاحيتها الاستهلالية بما يُسمى الربيع العربي بعد إسقاط نظام الدولة في العراق؛ أو ضعضعته إلى درجة التهافت؛ كان التحدي هو الإجهاز على شكل الدولة الوطنية في المنطقة؛ والارتداد بالتجمعات السكانية إلى الأنماط القبائلية العرقية والمذهبية الأولى؛ اعتماداً على تاريخية فسيفسائية التكوين الديمغرافي بها؛ وبما يترتب على ذلك من إنهاء وجود نمط الدولة الوطنية الواحدة نهائياً؛ والتخلص من أشكال أبنيتها المدنية؛ لإعادة إحياء المجالس العُرْفية؛ وقوانين العيب؛ كي تستعيد المنطقة أشكالها القديمة المناسبة لقرون ما قبل الحضارة الحديثة.

لقد أوقف عدم سقوط حلب من يد الدولة السورية مخطط إعادة تشكيل الواقع الجغرافى المُغاير للهلال الخصيب القديم بدوله؛ على الرغم من أنها تُعاني راهناً بشكل كلي في إطار صناعة واقع مرتد على أساس العرق والدين والمذهب .

*****

وإزاء الانتكاسة في سوريا لذلك المشروع الذي كانت تروج له خطابات العقل النخبوي الانتهازية؛ بدأت تلك النخب تطرح تصورات سيناريوهات متخيلة جديدة؛ لكي تواري فضيحتها بتدمير بنية حلب، وعدم تحقق مرادها المرجو من ذلك؛ أي مخطط انفصالها عن الدولة للاستفادة بإمكاناتها الاستراتيجية التي تُلبي مخططات التفتيت الجاري تكريسها.

السيناريوهات الجديدة التي تتحدث عنها تلك النخب من "فصيلة القردة العليا" تدور حول الترويج لما يُسمى "الفدرلة" أو سوريا "الدولة الفيدرالية"؛ لإعادة التنميط وفق النموذج العراقي الجاري بناؤه؛ والقائم في النهاية على إعادة التجليس السياسوى للأعراق والمذاهب والإثنيات بهوياتها الثقافية على الكرسي، بدل الدولة الواحدة التي يتناوب الأفراد السلطة فيها عبر أحزابهم بالدولة.

لكن "المسكوت عنه" هنا والذي تخفيه هذه النخب بعد تحطم حلمها، هو أن هدف التركيز على حلب كان الاستفادة من قدراتها الجغرافية المكانية والبشرية والتاريخية؛ لإنتاج نموذج الإمارة "سنية الهوية" التي يجري تعميمه لاحقاً في المنطقة؛ وذلك بالاستفادة من الحدود الممتدة مع تركيا "العثمانلية"؛ والاقتراب من البحر المتوسط؛ وأمتلاك محور الربط الاستراتيجي في المحيط السوري؛ فضلاً عن منزلتها الثانية في الأهمية بعد دمشق؛ وما تكتنزه من قدرات اقتصادية ومالية...إلخ

كان في المتصور الاستخباراتي أن تكون حلب نموذجاً تطبيقياً للنمط الذي جرى تكريسه في "غزة" بنزوع الانفصال السياسي القائم في "فلسطين المحتلة" والذي أحدثته "حماس" عن بقية جسم السلطة الوطنية الفلسطينية؛ وقد كان سيتم اعتماده موديلاً لسيناريوهات تفتيت المنطقة كلها إلى "مدن" و"مقاطعات" و"أزقة" و"زنقات" قائمة بنفسها؛ ويكون ضابطها الحاكم "الدولة اليهودية"!!

*****

إن الجهد التفكيكي لخطاب النخب السياسوية الاستخباراتية المنبع يكتشف بما لا يدع مجالاً للشك أن وظيفة تلك النخب هي تكريس واقع الفئة والطائفة، مقابل الأثمان التي تقبضها لتدمير وطن؛ وتفتيته بالترويج لتوهم صناعة ثورة لم تجلب إلى سوريا سوى هدم المدن، وتدمير مرافقها وتشريد أهلها؛ واستباحة جغرافيتها السياسية لتكون ملعباً للقوى العالمية المتصارعة. والمعروف أن تلك النخب الفوضوية لا تدفع ضريبة جريمتها في حق الوطن بل تقبض الثمن بالعودة لتجلس في كراسي الحكم محمولة على ظهور الدبابات وتكمل مشوار تفتييت الأوطان"العراق/ ليبيا نموذجاً"!

 
لقد تناست تلك النخب المقيمة في خارج الأرض السورية، أن حسابات الواقع مختلفة عن السيناريوهات المتخيلة؛ فالدولة التي يُعبِّر عنها النظام كان يمتلك فيها مصدرية الطاقة الواحدية في التحكم وإدارة الأزمة؛ فيما المسلحون على الأرض تحكمهم المسلكية الميليشياوية، القائمة على تكريس نمط "أمراء الحرب" الذين لا يقاتلون عن مشروع وطني... بل عن مشروع ميليشياوي؛ تحركه آليات الإفساد المادي لها، والمتمثل في عائدات مشروع تفتيت الدولة بالمعونات وأموال الدعم وتدفقات السلاح من الخارج.

والمثير في الأمر أن بعض تلك النخب التي يروق لها اتباع منطق "القردة العليا" في القفز بين أفرع شجرة الأزمة السورية؛ عاد من جديد بعد خروج ميليشياتهم من حلب للحديث حول: ضرورة إعادة لملمة الأوراق المبعثرة؛ والارتداد إلى الروح المحركة لـ "الثورة" كما كانت في بداياتها؛ متغافلين عن العوار الذي أصاب الجسم الميليشياوي وقد حركه طوفان الأموال الخارجية لقيامهم ليس بهدم النظام ولكن بتفتيت الدولة.


ويأتي على رأس هؤلاء قيادات التنظيم المتأخون، الذين من مضحكات الأمور يمارسون عادتهم الانتهازية، فيطالبون في بيان أصدروه بعدم استجابة المسلحين الذين تسميهم "المعارضة" للمبادرة الروسية للحوار مع النظام السوري، والتي تعد موسكو لعقدها في يناير / كانون الثاني 2017م.


وإذا كانت الجماعة المتأخونة السورية تؤكد في بيانها أنها تؤكد على التمسك برؤية الثورة السورية في: "إسقاط النظام وتفكيك أجهزته الأمنية، والعمل على قيام الدولة المدنية... دولة الحرية والعدالة والكرامة"؛ فإن الهدف الخفي الدال على انتهازيتها السياسية هو تمرير رغبتها بحجز مقعد لها في جلسات ذلك الحوار؛ متناسية أنها الفاعل الحقيقي لما وصل إليه دمار المسألة السورية؛ بدعم وتخطيط التنظيم الدولي والجماعة في مصر والتي أطلقت شعار ما يسمى "الجهاد" في سوريا!

*****

ومن السيناريوهات الجديدة التي تروج لها نخب فصيلة القردة العليا أن النظام السوري على الرغم من قيامه باسترداد حلب لن يتمكن من القيام بالأعباء المترتبة على خروج الميليشيات منها؛ وسيفشل في إحكام السيطرة على الأرض الواسعة التي عاد يستحوذ عليها.


 

ونتيجة الدمار الشامل الذي لحق بحلب "البنية والمزاج السكاني المسالم الذي تغير للنقيض" فإن أغلبية أهلها سيعانون الفقر والبطالة نتيجة التردي الاقتصادي؛ ومع وجود ظاهرة انتشار السلاح، فإن ذلك سيدعو إلى تشكل حركات تمرد جديدة، وإنشاء عصابات صغيرة عديدة مستغلة ضعف الدولة والضائقة الاقتصادية التي تعانيها؛ ما يعني دخول مسلسل التدمير لسوريا في طور جديد مماثل للنموذج الراهن في ليبيا!!

*****

 إن ما تروج له "فصيلة القردة العليا" من النخب السياسوية الاستخباراتية المنبع والوظيفة بممارستها القفز السياسي في المسألة السورية بقدر ما يعبر عن خطاب هزيمة رعاتها في حلب، فإنه يكشف "المسكوت عنه" الجديد في سيناريو إنهاك الدولة السورية؛ ومواصلة العمل لإفشالها، طريقاُ لترسيخ الوجود الميليشياوي في صورة جديدة اسمها العصابات حلاً مصطنعاً في إطار مخطط تفتيت الدولة الذي لا يتوقف!!

                                                                           "رأفت السويركي"
-------------------------------------------

الأربعاء، 28 ديسمبر 2016

العم "راجي عنايت"... الرجل الذي علمنا المعرفة بالمستقبليات!!

العم "راجي عنايت"... الرجل الذي علمنا المعرفة بالمستقبليات!! ---------------------------------------------


لايزال الأستاذ "راجي عنايت"Rage Enayat ibrahim أطال الله في عمره رجل إعلام التنوير بعلوم "المستقلبليات"؛ كنا ولا نزال ننهل من مؤلفاته أسرار المعرفة بهذه العلوم؛ ونركض للحصول على كتبه؛ التي تفتح أمامنا آفاقاً معرفية واسعة بهذا الحقل الذي يحقق ما يمكن التعبير عنه بتحقق "المتخيل والخيال" في الواقع.

*****
 

الإعلامي الرائد العم "راجي عنايت" هو مخزن ثمين من المعارف والخبرات والذكريات وأسرار المهنة؛ وأعترف شخصياً بأنه في سنوات شبابي الأولى حين كانت ثقافة "علوم المستقبليات" مجهولة كان رائد أوائل الذين شكلوا عقلي في حقل المعرفة بالمستقبليات ومجتمع المعلومات؛ قبل أن أتعرف لاحقاً إلى مشروع المغربي الراحل "المهدي المنجرة" القامة الأخرى في علم المستقلبليات.

ولأن "فيس بوك" ذكرني بموعد بدء صداقتي المتأخرة مع الرائد الكبير "راجي عنايت" فالكتابة تنحصر حوله اعترافاً بفضله وقيمته؛ مثقفاً متعدد الأنساق؛ ممن صارت حياتنا تندر الآن في إنتاج مثله؛ نتيجة توجه المعرفة إلى التركز، والانحصار في التخصص الدقيق المتشابك، ضمن رؤوس ترس كبير متعدد الاختصاصات الخادمة لهدف محدد؛ وأقصد المثقف الشامل المعرفة.

*****

العم "راجي عنايت" أطال الله في عمره درس العلوم وتخصص في حقلها؛ ليتأسس عقله العلمي؛ ثم توغل في دراسة النحت لتتشكل ذائقته الكلية باقتدار عبر طريقي معرفة أسرار المادة بدراسة العلوم، وامتلاك الإدراك بقيمة الكتلة عبر دراسة النحت؛ بجانب خبراته الفنية في التعبير بالفنون الشعبية والأدب التلفزيوني وفنون تحريك العرائس؛ وكانت الصحافة التي احترف العمل بها الضلع الثالث لترويج إبداعه المعرفي الشامل.

العم "راجي عنايت" مخزن أسرار ومعارف كشاهد عصر قريب من الأحداث التي مرت بها مصر. ومن يتفضل بمطالعة جداره على "فيس بوك" يُمكنه أن يتحصل على بعض هذه الشهادات، وذكرياته العامرة، وصوره في الطفولة والشباب والشيخوخة أيضاً.

*****
 

ولمن شاء الاستزادة بمعرفة بعض أسماء المؤلفات التي حملت جهده المعرفي في ثقافة المستقبليات سأذكر بعضها هنا: سلسلة العلماء العرب/ سلسلة أغرب من الخيا ل/ أسرار حيرت العلماء/ العالم سنة 2000 مستقبل جديد للبشر/ سر الأطباق الطائرة/ أحلام اليوم حقائق الغد / هذا الغد العجيب/ مغامرة علي كوكب الزهرة/ عجائب العقل البشري/ الهرم وسر قواه الخارقة/ النبات يحب ويتألم ويقرأ افكار البشر/ راقصون بلا حكومة/ لعنة الفراعنة وهم أم حقيقة/ أعجب قدرات العقل البشري/ سفينة الفضاء الملعونة /أفيقوا يرحمكم الله/... والعديد العديد من الكتب التي فاق عددها المئة عنوان فضلاً عن المقالات التي نشرها في الصحف والمجلات.

*****
 
عَلَمُ إعلام "المستقبليات" أستاذنا "راجي عنايت" هو قامة كبرى؛ ينبغي تكريمه بما يستحق كأحد الرواد في هذا الحقل المهم؛ وبجانب ذلك أن يتفرغ من يُسجل مخزونه المعرفي وذكرياته الثمينة؛ أطال الله في عمره؛ ليبقى طاقة أمل مشرعة بالتنوير؛ الذي نحتاج إليه بشدة راهناً في زمان إعادة ترسيخ الثقافة الجاهلية من جديد... 

وليسمح لنا العم "راجي عنايت" بهذه الكتابة التي لا توفيه حقه لدى جيل تعلم الكثير من المعرفة والتشوف إلى المستقبل عبر كتاباته.

                                                                         " رأفت السويركي"
---------------------------------------

الاثنين، 26 ديسمبر 2016

خواطر حول "الصرفة في الإعجاز" وشروط القول بها

خواطر حول "الصرفة في الإعجاز" وشروط القول بها
-------------------------------------------

هذه الحوارية الفكرية تجسد طبيعة علاقة بناءة في عالم الوسائط الاجتماعية؛ فكثيراً ما أسعد بالحوار مع كتابات الاستاذ الدكتور أحمد يوسف عالم اللغة العربية الكبير؛ مستفيداً من رحابة صدره العلمي في قضايا فكرية مهمة للغاية وتحديداً في مشروعه الفكري الجديد حول الخطاب القرآني الذي يقدم في محيطه كتابات محيطة مهمة؛ جعلتني أنتظر نشرها على جداره في فيس بوك للتداخل بما بما يفيدني بالمزيد من المعلومات التي يضيفها لكتاباته بتواضع العالم الكبير والاستاذ الذي تعلمت من مؤلفاته الكثير.
ولعل موضوعة "الصرفة" التي انشغل بها العقل المسلم لقرون وقرون وارتباطها بحقل تفسير إعجاز القرآن الكريم كانت موضوع هذه المداخلة؛ فكانت إجاباته بليغة؛ فإلى الحوارية؛ التي يعقبها متن كتابته الأساس:
------------------  

تبارك الله الأستاذ الدكتور أحمد يوسف بهذه الهيمنة المعلوماتية المهمة والإحاطة الشاملة التي قدمتها حول قضية "الصرفة" هذه الموضوعة الشائكة؛ التي اختلف حولها الفرقاء والأصدقاء.

وقد استرعى تفكيري ما قدمه الجاحظ حلَّاً للإشكالية في صيغة "التسخير" الجامعة لإرادتي "التخيير" و"التسيير"؛ والتي تصب في النهاية حسب الاعتقاد إلى تفعيل فعالية "التسيير" الكامنة وفق ما راج لدى البعض في خلفية المشهد الإيجادي للمخلوقات، بحكم أن الإنسان كما هو مخلوق البدن فهو مخلوق الفعل والاستطاعة أيضا؛ على الرغم من تعارض ذلك مع قيمة الحساب الأخروي؛ وهذه النقطة مهمة للغاية لارتباطها كما قلتم بالماورائيات؛ وما تلك الأقوال إلا محض اجتهادات.

لذلك ينبغي عند النظر إلى موضوعة "الصرفة" أن نتذكر أحد وجوه القول القرآني الكريم: ( ولقد خلقنا الإنسان ونعلم ما توسوس به نفسه ونحن أقرب إليه من حبل الوريد)؛ ولم يقل جل جلاله - وخلقنا ما توسوس به نفسه – بل " ونعلم" كدلالة على حرية الإنسان المطلقة أولاً في التفكير؛ وثانياً في الفعل أوالقول متحصل التفكير؛ باستثناء حالتين فقط بهما تتحقق "الجبرية" أي في حالتي "الميلاد" أولاً والموت ثانياً؛ وذلك لحكمة إلهية؛ مع ارتباط ذلك بعدل الله المطلق وعلمه القبلي بفعل خلقه وليس من منظور الجبر تحقيقاً لقيمة عدله الكلي. وتأكيد ذلك يأتي في كريم قوله: (وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لآمَنَ مَنْ فِي الأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ).

إن تعدد الآيات وتنوعها في سياقات الآفاق الرحيبة للنص ومحيطه التي جعلته حسب المقولة المنسوبة للإمام علي ابن أبي طالب بأن "القرآن حمَّالُ أوجُه، ذو وجوه"؛ وما روي عن ابن عباس: "القُرآن ذلولٌ ذو وجوه، فاحمِلوه على أحسنِ وجوهِه"، فهذه الصفة النصية بقدر ما تقدم متكأً لكل ذي رأي؛ فإنها في الوقت ذاته تقدم التصور المُغْنِي عن القول بالصرفة؛ أي محمول طاقة النص القرآني المطلقة واللامحدودة في الاستجابة لكل طرائق القراءات فهذا هو مكمن الإعجاز الحق الدال على فرادته وعلوية مصدره ؛ لأنه يتيح الفرصة للقراءة المتعددة التي تيسر فهمه وفق زمان القراءة.

 ولعل تلك الطاقة الخلاقة للمعاني ربما تنفي في الوقت نفسه فعل "الصرفة"؛ التي تتنافى مع قيمة العدل الإلهي؛ فاستغلاق النص على الأفهام يُفقده إعجازيته؛ ولكن الخصوصيات الكامنة بمتنه توفر إمكانا ديموميا لتعدد مستويات القراءة التي تنتج آفاقا مختلفة لتأويل محمولاته المقدسة من منظور مصدريته العلوية. وربما يكون تعدد وتنوع المستولدات التأويلية هي الاثبات لطبيعة الإعجاز التي اخترعوا لها "الصرفة" لإثبات علوية النص وفق مقاييس عصرهم الشفاهي ومكانهم الجغرافي المحكوم بعلوم ومعارف اللغة قبل أية علوم أخرى.

ولربما تكون مخزونات النص التي يجري اكتشافها بامتداد الزمان؛ وتطور أدوات القراءة  غير الواحدة تؤكد من جانب آخر انتفاء الصرفة، فتلك القيمة البشرية كانت  مرتهنة حين طرحها بقدرات وأدوات العصور الأولى؛ وقد فاجأها النص الكريم ولم يكن العقل الإنساني المجبول على التفكر كأساس من أساسات الخلق النوعي في ملكوت الله قد وصل من درجة العلم التي يسرها الله له لاحقاً ليصل إلى ما وصل إليه راهنا؛ تأكيداً لما تفضلتم بذكره عن طبيعة المعجزة المادية التي حاور بها موسى قومه وكذلك عيسى عليهما السلام؛ وهما معجزتان منقضيتان بزمان حدوثهما؛ عكس النص القرآني الممتد تبليغه إلى أن تقوم الساعة؛ لذلك فعلينا البحث عن علائم أخرى لإثبات مصدريته المتعالية؛ وهنا لن تصلح الصرفة دليلاً.

أقول ذلك يا أستاذنا حين النظر إلى المشوار المذهل الذي قطعه العقل البشري ليصل إلى إنتاج فعالية الذكاء الاصطناعي الشامل؛ ومنه حقل اللغة، حيث في الترجمة حقق ذلك الذكاء في اللغات غير العربية الكثير من التماثل المتطابق؛ ويمكن له بعد التلقين المعلوماتي إنتاج أعداد كثيرة من النصوص؛ ولكنه ولا يزال راهناً يُعاني الصعوبات المؤقتة في اللغة العربية لعدم إحاطته بالكيمياء المجازية لهذه اللغة؛ نتيجة عدم اكتمال رصد كافة سياقات المعنى للكلمات والجمل بها.، غير أنه سيصل لهذه النتيجة عبر ما يمكن أن تتواصل به الحواسيب الذكية مع التفكير البشري؛ ولكن النتيجة ستكون محمولا بشرياً في المعاني.

هذا محض تفكير بصوت مرتفع حول قضية "الصرفة"؛ وضرورة إحلال قضية لا متناهي محمول النص الإبلاغي بديلاً عنها. وأعتذر أستاذنا عن الإطالة؛ فما تذكرونه باقتدار يُحرِّضُ على التحاور؛ ولكم محبتي واعتزازي.

                                                                           "رأفت السويركي"
--------------------

د.أحمد يوسف
د.أحمد يوسف أخي الكريم ذا الرأي الرشيد ا.رافت . تحياتي
 
كتابتك كعادتك كتابة مضيئة وكاشفة. فقد تناولت مسألة الصرفة وصلتها بالفعل الإنساني وإرادة الله كما تناولت مسألة تأويل النص القرآني وقابليته للتعدد والثراء حسب مايتاح من علم في كل عصر ورأيت أن هذا التأويل يعد دل
يلا على إعجازه. وأرى أنك حريص على نفي الصرفة سبيلا لتفسير الإعجاز. 
 
واسمح لي أن أوضح نقاطا مهمة حرصت على تأكيدها في المقال. 
 
أولا :أكدت أن الصرفة لم تقدم حلا لمسألة الإعجاز عندما أراح أصحابها أنفسهم برد الأمر كله لله. 
 
 ثانيا :أن الصرفة كانت بحثا خارج النص وإحالة على المطلق ظنا من أصحابها أنهم حين يؤكدون مصدرية القرآن؛ يؤكدون حجته ومعجزته ويؤكدون النبوة. 
 
ثالثا :أن الجاحظ لم يكن رغم تقديره الكبير لأستاذه النظام؛ تلميذا تابعا يسير مغمض العينين وراءه كما قرر وكتب كثير من الباحثين الذين يوصفون بأنهم كبار.ووضحت ذلك حين أكدت أن الصرفة عند الجاحظ لم تقترن بمسألة الإعجاز ولكنها اقترنت بمسألة حرية الفعل وذكرت مصطلحه التسخير الذي جمع بين التسيير والتخيير. 
 
رابعا :أن الجاحظ أكد أن القرآن معجز بنظمه البديع وأردت أن أتتبع قوله هذا وأوسعه حين تكلمت عن وعيه بالنص وخصائصه. ثم تتبعت ذلك القول كما تجلى عند الآخرين في القرن الرابع وأشرت إلى أن المقال له تكملة في مقال لاحق. 
 
كل ذلك ياسيدي هو ما حرصت عليه. وإنك لتذهل حين تكتشف تهافت ما كتبه من وصفتهم الأمة بالأعلام وخاصة في مسألة الصرفة ومسألة نص القرآن الكريم.
 
صديقي الكريم لم أشأ أن أتحدث عن مدى حرية الفعل كما وردت في نصوص من القرآن وقد بينت في مقال سابق أن مبدأ الصرفة يتنافى مع عدالة الله سبحانه. وعلى أي الأحوال هذه صفحة من عقلنا الجمعي كم كانت حرة في التناول والعرض مهما اختلفنا معها وكم كان أصحابها جادين ومخلصين لما آمنوا به. وفي النهاية أرحب بمزيد من النقاش والاختلاف في الرأي.
-------------------

Raafat Alswerky
Raafat Alswerky سلمت أستاذنا ودام حضورك الفكري معلما نقتدي بمسلكه ومنهجه في التفكير، وما سمحت لي تكرما منك بكتابته هو من اجل تفعيل فضاء فيس بوك لمزيد من الحوار الفكري الراقي حول قضايا مهمة ينبغي ان تخرج من حلقات النخب الى عموم الامة، اذا كنّا حقا نسعى الى تطوير او تغيير او تحديث او تنقية الخطاب الديني، فالقضايا لا تنحصر في الطقوس والشكليات، بل هي أعمق لعل هناك من يستفيد. حفظك الله.
----------------------


الصرفة والنظر المضاد

د.أحمد يوسف
  مع أهمية القول بالصرفة تفسيرا لإعجاز القرآن، فإنه لم يكن واحدا عند كل من قال به، ولم تكن مصادره واحدة كما بينا في المقالة السابقة. والقول بالصرفة لم يقترب حقيقة من تفسير مسألة الإعجاز وهي مسألة مختلف عليها عند المؤمنين بالقرآن، وعند غير المؤمنين به. فمن رد إعجاز القرآن إلى مصدره، لم يقل أكثر مما قال القرآن عن نفسه " كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبروا آياته وليتذكر أولو الألباب" ص 29. و" إنا أنزلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون" يوسف 2. 


واكتفي بأنه من عند الله ولم يفسر وجها من وجوه إعجازه. فالله سبحانه حين أنزل القرآن للناس لم يكن حجة لنبيه مثل حجة العصا لموسى أو الطب لعيسى، نقصد لم يكن حجة وقتية شهدها فريق من الناس وصارت شهادتهم برهانا عليها وتواتر القول بها عبر النقل والسماع. 

ولكن القرآن الذي نزل منجما خاطب الناس الشهود بكونه معجزة وحرض من ينكر على أن يأتي بشيء من مثله. ولما اكتمل نزول القرآن وصار بين دفتي المصحف المعروف لم تزل حجته بزوال الشهود من الناس، بل اكتملت وصارت مجالا للبحث الذي يبتغي الفهم كما يدعو القرآن نفسه الناس جميعا لتدبر آياته، وأولي الألباب للتذكر وأن هذا القرآن عربي. لذا فالقول بالصرفة ليس كافيا لتوضيح المراد وهو فهم هذا القرآن وتدبره.

ولم يكن قول النظام بالصرفة إلا قولا محرضا على التفكير والبحث والتأويل وداعيا إلى مزيد من تعدد الآراء. فقد نشأت حوله أقوال بالصرفة كما فهمها، وأقوال أخرى متباينة معه. ومن هذه الأقوال، قول الإمام الجويني إمام الحرمين الذي أعلن القول بالصرفة قولا واحدا رافضا القول بغيره.


 فمن يقل بفصاحة القرآن أو نظمه، قد ضل ضلالا بعيدا على حد قوله لأن القرآن من هذه الجهة يشبه أقوال كثير من الفصحاء والبلغاء، وأن البلاغة في كل عصر متغيرة متفاوتة ولا يخلو عصر من العصور من بليغ مبرز لا يوازى في فنه. وربما كان الجويني يسعى إلى نفي علو القرآن عن مدارك الناس وأفهامهم. وما نزل القرآن إلا ليصل إليهم. لذا فحجته لا تكون في بيانه، بل في مصدره العلوي الذي تشهد به كل آياته.

فالقول بالصرفة في تقديري بحث في المطلق. والعلم يصعب عليه البحث في المطلق والماهيات. لذا كان الجاحظ صاحب الفضل في توجيه دفة البحث في إعجاز القرآن إلى وجهة علمية قوامها اللغة وميدانها مجمل القرآن كله مستفيدا من علمه باللغة العربية وأساليبها في التعبير، ومن علمه بأشعار العرب وخطبها، ومن طرائق تعبيرهم في المحافل والمنتديات يؤكد ذلك كتابه البيان والتبيين، كما أفاد من اطلاعه على الثقافة المنقولة من الفرس والهند واليونان وغيرهم.



وكما قلت، كان قول النظام بالصرفة قولا تحريضيا وجدنا آثاره في قول الجاحظ: إن القرآن معجز بنظمه. فقد سرى هذا القول عبر القرون الرابع والخامس والسادس ومثل اتجاها كبيرا سواء على مستوى النقد والبلاغة، أو على مستوى التفسير ونعنى هنا تفسير القرآن.



ونحاول أن نقف في هذه المقالة والمقالة التي تليها عند هذه المقولة وكيف تكونت حولها أبحاث مفسري الإعجاز وكيف استوت هذه المقولة لتكون أهم نظرية لفهم النص سواء أكان شعرا أم قرآنا، أعني نظرية النظم عند عبد القاهر الجرجاني وكيف أفاد منها الزمخشري في تفسير" الكشاف" وفي نموذج كتبه مفسرا سورة " الكوثر" وحدها للتدليل على إعجاز القرآن من خلال نظرية النظم أو النظم كما قال الجاحظ.



لم يكن الجاحظ غافلا عن الجدل الدائر في أو ساط المعتزلة عن حقيقة القرآن. هذا الجدل الذي كانت الصرفة إحدى نتائجه على نحو ما بيناه عند النظام. وكان للجاحظ موقف معلن من مسألة الصرفة التي لم ينكرها ولم ينكر أن القرآن معجز "بنظمه البديع". هذا الجمع بين القولين المتقابلين جر عليه اتهامات كثيرة وشكوكا في معتقده مما يستدعينا لتوضيح هذه المسألة.


كان الجاحظ مثل كل المعتزلة مشغولا بمسألة حرية الفعل وهي التي كشفت عن موقفين: الأول أن الإنسان مسير عند أهل السنة، والثاني أنه مخير كما يرى أهل الاعتزال. وكان من رأي الجاحظ أن الإنسان " مسخر" وقد جمع هذا المصطلح بين التسيير والتخيير ويوضح الجاحظ مفهوم التسخير. فأفعال الإنسان في ظاهرها تشير إلى أنه مخير والدليل رضاه عنها وسعيه إليها وإتيانها بمحض إرادته.


 إنه يختار أسماء ولده، ويختار نوع عمله، والبقعة التي يسكن فيها ونوع الحياة التي يعيشها، وقد لا يعجب اختياره الآخرين. قد يختار أقبح الأسماء وأحط المهن، وأردأ الأماكن، وأخشن أنواع العيش، ومع ذلك تراه معجبا باختياره فخورا به سعيدا باهتدائه إليه والسبب اعتقاده أن ذلك محض اختياره، على حين أن ذلك في الحقيقة هو ما سخره الله له، ويسره إليه، وحببه فيه.

ويبرهن الجاحظ على صحة رأيه بأن هذا" التسخير" للخلق إنما كان لمصلحتهم. وما كانت مصلحتهم تتم على أحسن الوجوه لو أن كل إنسان قد ترك لاختياره.. ولنا أن نتصور كيف كانت تكون حياة الناس لو أن كل إنسان اختار لنفسه ولولده أحسن الأسماء، واختار أرفع المهن، وحرص على أن يسكن أخصب البقاع وأحسنها، وأن يمارس أكثر ألوان العيش ترفا؟ ومن الذي يقوم بأدنى أدنى الحرف؟ ثم من يعمر البقاع الصعبة القاسية، إذا كان الجميع سينصرفون إلى ما اختاروه من الأماكن الخصبة السهلة؟


هذا التسخير الذي يتضمن اختيار الإنسان أفعاله ورضاه أو سخطه عليها وسعيه إليها أو تراخيه عنها، يشير إلى أن علم الإنسان مهما اتسع محدود، وأنه في الحقيقة ميسر لما خلق له، وأن علم الله أشمل من علمه، وهنا تلتقي الصرفة مع التسخير وتقترن به. فالقول بالصرفة جاء مقرونا بالقول بالتسخير عند الجاحظ، ولم يكن مقرونا بالقول في الإعجاز. 


يقول الجاحظ عن الصرفة في تفسير موت سليمان:" ولولا الصرفة التي يلقيها الله تعالى على قلب من أحب، ولولا أن الله يقدر على أن يشغل الأوهام كيف يشاء، ويذكر بما يشاء، وينسي ما يشاء، لما اجتمع أهل داره وقصره(سليمان) وخاصته ومن يخدمونه من الجن والإنس والشياطين على الإطباق بأنه حي". 

فالصرفة عند الجاحظ تعدت مجرد الانصراف عن معارضة القرآن إلى الدلالة على نوع من توجيه الله لعباده، أو سلبهم القدرة على علم شيء أو عمله من أجل مصلحتهم، تماما كما كان التسخير توجيها لهم إلى عمل شيء أو اختياره. على حد تعبير عبدا لحكيم راضي في تقديمه لكتاب الحيوان.

هذا الفكر العقلي الراقي حول الصرفة والتسخير وفعل الإنسان، كان دفاعا عن القرآن أيضا وعن العقيدة، وهذا ما دفع الجاحظ للقول بأن" المعاني مطروحة في الطريق، يعرفها العجمي والعربي والبدوي والقروي والمدني. وإنما الشأن في إقامة الوزن وتخير اللفظ وكثرة الماء، وفي صحة الطبع وجودة السبك. فإنما الشعر صناعة، وضرب من النسج، وجنس من التصوير".


فالمعاني التي يقصدها الجاحظ هي المادة الأولية المتاحة في كل زمن وفي كل مكان وهي وحدها لا تصنع أدبا ولا تفرق من حيث القيمة بين نص ونص ولا تضفي عليه أية مزية، ولا تحقق لصاحبها تميزا، ولا تمنحه مكانة لمجرد القول بها. هذه المادة الأولية قد تكون متشابهة بين أناس وأناس ومنها ما هو مشترك عام بين البشر على مدى الأزمان. 


فالحق والخير والجمال والصواب والخطأ والثواب والعقاب والجنة والنار، وغيرها من المعاني تمثل مشتركا عاما نجدها في الكتب السماوية كما نجدها أو نجد بعضها في كتب الديانات الوضعية، ولكن وجودها في حد ذاته لا يعطى أولوية لكتاب على كتاب، وما يفرق في حالة القرآن هو" النظم البديع" بالإضافة إلى ما يحتويه من علوم الغيب والشهادة. 

وقد تحدث الجاحظ هنا عن الشعر والمعاني وتفاوت قصائد الشعراء من حيث القيمة على أساس قدرة المبدع على الصياغة والتصوير" فإنما الشعر صناعة، وضرب من النسج، وجنس من التصوير" وليس على أساس المعاني المطروحة في الطريق.

فالشعر صناعة لغوية، مفرداته ونظامه اللغوي من معين اللغة بوصفها أداة عامة يتوسل بها كل الناس، وله لغته الخاصة التي هي" ضرب من النسج" يخص كل شاعر يكشف به عن قدرته على اكتشاف القدرات الكامنة في نظام لغته، كما أن هذه اللغة" جنس من التصوير. فالشعر كما يراه الجاحظ يسير في دربين: التركيبي، والدلالي، وفيهما يكمن الإيقاع. غير أن هذه الطبيعة الخاصة بالشعر تصله بغيره من الفنون كالرسم والموسيقي والتشكيل بحيث يتجلى الشعر بين فنون كثيرة ومماثلة.



هذا الفهم المبكر لطبيعة الشعر الجمالية، قد وعى من جانب آخر، مبدأ النص الذي يتضمن كل مقومات النص ومنها التأليف والنظم، وهذا ما اعتمد عليه الجاحظ في قوله " بالنظم البديع" تفسيرا لإعجاز القرآن. هذا التأسيس الذي وضعه الجاحظ في القرن الثالث انطلق منه الرماني والباقلاني، وبلوره على نحو نظرية ذات أسس نحوية وجمالية، عبد القاهر الجرجاني.


فالرماني في رسالته" النكت في إعجاز القرآن" يرى أن البلاغة: ثلاث طبقات: منها ما هو في أعلى طبقة، ومنها ما هو في أدنى طبقة، ومنها ما هو في الوسائط بين أعلى طبقة وأدنى طبقة. فما كان في أعلاها فهو معجز وهو بلاغة القرآن، وما كان منها دون ذلك فهو ممكن كبلاغة البلغاء من الناس" وأما البلاغة فهي" إيصال المعنى إلى القلب في أحسن صورة من اللفظ" وتعريفه يركز على جانبين: المعنى، والصورة أو اللفظ. 


والمقصود هنا باللفظ هو التراكيب التي تتجلى فيها المعاني بحيث تتواءم مع السياق العام للكلام. ونشير هنا أن الرماني يرى أن الكلام ذو مستويات تبدأ بالأعلى وتنهي بالأدنى. وكأن هذه المستويات أنماط معلومة استقر عليها المنشئون والمتلقون وهذا ما جعله يضع القرآن في الطبقة العليا بعيدا عن أية مماثلة أو منازعة. 

 هذا التفكير البلاغي جعله يرى أن كل القرآن من حيث الصياغة والأسلوب في مستوى واحد، مع أن القرآن نص طويل، متعدد السياقات، متعدد الأغراض، وهذا ما يدعو إلى القول بالتفاوت بين سور هذا الكتاب من حيث النظم ومن حيث التأثير في المتلقي. 

فسورة" الكوثر" ليست هي سورة" ص" مثلا أو" الرحمن" ولكننا مع ذلك نلحظ أن البذرة التي ألقاها الجاحظ في تربة الدرس البلاغي لم تمت. فالجاحظ في بيانه السابق لا ينكر التفاوت بين المبدعين، ولا بين نصوص المبدع الواحد، ولا بين نصوص هذا أو ذاك من الشعراء ممن يقولون في موضوع واحد كوصف الخمر أو الخيل مثلا.

ولكن هذا التفاوت رفضه البلاقلاني بعد أن قبل القول بنظم القرآن تفسيرا لإعجازه، فالقرآن على الرغم من طوله ليس متفاوتا بل هو على نمط واحد من الجودة والسمو عل اختلاف المقامات القول وتعدد الأساليب. 


فمن مظاهر إعجاز هذا النظم عنده أنه قد ورد على غير المعهود من نظم كلام العرب وألوانه المعروفة في الشعر والنثر. وهذا ما دعاه إلى لزوم مالا يلزم وهو إثبات فساد النظم في قصيدتين من عيون الشعر إحداهما لامريء القيس والثانية للبحتري. لقد هدم الأساس البياني الذي انطلقت منه مسألة الإعجاز والتحدي حين أخرج شعر العرب وهو المعيار من دائرة النماذج التي يقاس عليها. 

ولم يكتف البلاقلاني بذلك بل أنكر أن تقاس بلاغة القرآن ببلاغة العرب أو البشر كما عرفناها وهو بذلك جعل مسألة المعجزة عصية على الفهم، خارجة عن نطاقها الذي أتت من أجله وهو أنها دالة على نبوة النبي من جهة، وأنها يمكن فهمها والتواصل معها من جهة ثانية. 

 فالقرآن جاء للناس كافة يحمل رسالة مركبة من الاعتقاد والأخلاق. فإن تضمنت معجزته جمالا في ذاتها، فلا قيمة له إن لم يتح للإنسان فهمها وسبر أغوارها. كل ذلك لم يفطن إليه البلاقلاني وكأنه أضاع نيته الحسنة بوسائله غير الحسنة.

                                                                      "أحمد يوسف علي"

/23/12/2016
 ------------------------------------------