السبت، 13 يوليو 2019

تفكيك خطاب العقل الأكاديموي المتنشط ( 113 ) "حيلة" خلط الأوراق والتلبيس على الجمهور ... (حسن نافعة أنموذجا)!!

تفكيك خطاب العقل الأكاديموي المتنشط ( 113 )

"حيلة" خلط الأوراق والتلبيس على الجمهور ... (حسن نافعة أنموذجا)!!
-------------------------------------------------------


الخطاب الذي يصر الدكتور حسن نافعة Hassan Nafaa أستاذ العلوم السياسية في كلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة على تعميمه في كتاباته، يتسبب في حدوث الحيرة للمتلقي؛ الذي قد لا يمتلك حظا من القدرة على القراءة السياسوية العميقة؛ في ضوء انتشاره كاتبا، ممهورا بحرفي (ا.د)ببعض الصحف العربية؛ وحضوره في القنوات الفضائوية المتأخونة مثل الجزيرة والشرق؛ فضلا عن صفحتيه في "تويتر" و"فيس بوك".

*****

فالدكتور نافعة، وفق عادة بعض الكتاب خلال العقد الزمني الأخير من مرحلة حكم حسني مبارك لمصر؛ وما أعقبها من أحداث "ربيع الفوضى"؛ كان يحاول تعميم بناء صورة ليبرالية لحضوره؛ غير أنه كثيرا ما كان؛ ولا يزال يتعثر في أفخاخ التصنيف؛ فلا يحصل على مراده باعتباره من الليبراليين؛ فيما يظلم في الوقت ذاته صورته كأكاديموي في العلوم السياسوية؛ يفترض أن يكون متحررا من أسر الانتمائوية التي تختبئ في دوافعه الموقفية؛ ويهتم ببناء الوعي بحركة الأحداث وتطوراتها، من منظور علموي بحت؛ ويضع أصبعه على مكامن الخلل؛ الواجب أن يتولى التعرض البحثي إليها.

لكن نتيجة الموقفية "الرجراجية" التي يضع الدكتور حسن نافعة نفسه فيها - إذا لم تكن لديه قصدية بذلك - فهو يندرج في مواقع التوصيف الانتمائوي؛ وتسند إليه الرغبة - حسب تدويناته - كما يشاع لآداء آدوار تتعلق بخلاص "الجماعة البنائية المتأخونة" من مأزقها الوجودوي الراهن في مصر، كجماعة موصوفة بالإرهابية.


ومن البين لذلك، يمكن أن تكشف "القراءة التفكيكوية" لأحدث تدويناته بحسابه في موقع التواصل الاجتماعوي "تويتر" نوعية المربعات التي يتحرك في إطاراتها. حيث أن المضمر المستتر في خطابه يحدد ماهية نمطويته السياسوية؛ ومحركات انفعالاته؛ ومستهدفه السياسوي، مهما كانت براعته في الاختباء، وقدرته على المناورة كبيرة.

*****

إن هذه القراءة، تكشف من النتائج المؤلمة ما يجعل القارئ يتوقف متأملا في خطاب التداعي السياسوي؛ الذي تكشفه عباراته وحروفه ودوافع كتاباته؛ ففي الوقت الذي ينبغي فيه أن يجسد حضور أستاذ العلوم السياسوية؛ من المفترض أن يقدم فقط ملامح خطاب متمكن؛ ومنطقي وموضوعي؛ غير مضغوط عليه بفواتير الانتماء؛ لكي يبدو منطقويا وعلمويا في القراءة والتحليل.

لكن الدكتور حسن نافعة تراه يفشل ببراعة، حين نقرأ خطابه عبر تفكيك أدواته التعبيرية؛ مفردات وعبارات وسياقات؛ ظاهراتيا معلنا ومسكوتا عنه مضمرا. ولكي لا نظهر في صورة من يظلم خطاب الدكتور نافعة؛ علينا ممارسة "القراءة الموضوعية" لتغريدته الأخيرة؛ في صفحته بـ "تويتر"؛ والتي يقول بحروفها:

[ الاستقبال الحار لأمير دولة قطر في واشنطن ليس سوى حلقة في مسلسل الابتزاز الأمريكي المتواصل لدول الخليج العربي: ماليا, باستنزاف ثرواتهم, وسياسيا: بدفعهم للارتماء في أحضان إسرائيل والتخلي عن القضية الفلسطينية, لا فرق بين نظام عربي وآخر, فكلهم في "الهوا سوا", فمتى تفيق الشعوب العربية]!!

والعقل التفكيكوي حين يقرأ هذه التغريدة من أستاذ علوم سياسوية، يطمح للاستفادة منها على صعد متعددة؛ غير أن النتائج كانت محزنة!

*****

ليس المطلوب من الدكتور حسن نافعة أستاذ العلوم السياسوية أن يقدم في سياق "التعبير التويتري" دراسة مطولة عميقة؛ تتحدث عن المفاهيم وتطبيقاتها بمرجعياتها التوثيقية؛ ولكن المفترض أن يقدم القراءة المدهشة؛ والمقامة على التحليل المتولد من ثقافته التخصصية؛ فيقدم الكشف العميق الذي يضيف للقارئ؛ ويفتح أمامه آفاقا واسعة؛ أو غير مطروقة حين التعامل مع المستجدات والتطورات بإحداثياتها؛ وما تبرزه "علوم التحليل السياسوي" من قراءات تغادر المستوى السطحوي المجاني إلى العميق الدال كأستاذ جامعي.

فهل تكشف القراءة التفكيكوية لتغريدة د. حسن نافعة ذلك المتمنى المعرفي المطلوب؟ هذا لم يحدث؛ وإنما تجد منه إفراطا في إطلاق الأحكام؛ وبناء المواقف غير الموضوعية؛ والتي تصل إلى الدرجة الشعبوية في القراءة والتعبير؛ لعلها تقنين لإثبات موقف يدور حول حواف موضوع سياسوي محدد؛ وفق التفكيك التالي:

*** أولا: يصف الدكتور نافعة استقبال أمير قطر تميم بن حمد في واشنطن بـ (الاستقبال الحار). وبصرف النظر عن "معيار الحرارة" التي لمسها وشعر بها؛ فإن هذه التوصيفة تلقي في روع المتلقي أن الأمير القطري حظي بتمييز برتوكولي فائق بدرجة حرارته، أو خارج عن المألوف؛ وهذا لا يعنينا؛ فالمؤكد أن الألفاظ المستخدمة في التغريدة كانت تستهدف استصناع صورة ذهنوية مخادعة؛ تتكئ إلى موقف قيموي مفرط في مشاعره؛ ولكن كان لا ينبغي أن يقع في أفخاخه أستاذ للعلوم السياسوية؛ والذي يفترض أن يتعالى عن المجاملات المنحازة، والمثيرة للريبة.

ثانيا: إن الدكتور حسن نافعة باحتفائه المقارب لاستخدام النمط الشعبوي في توصيف استقبال الأمير القطري (الاستقبال الحار) يكشف انحيازه الوجدانوي أو السياسوي للطرف القطري؛ مشابها لمسلك إضفاء الطابع الأسطوروي للاستقبال من الإعلام الممول قطريا؛ على سبيل النكاية في خصوم ذلك النظام؛ وهو يمارس مواقف مناقضة للمواقف الإجماعوية للسعودية والامارات والبحرين، في قضية التعامل مع مهددات الأمن الخليجوي؛ فضلا عن الموقف المصري بمسؤوليته عن الأمن والوجود الجماعي العربي.

إن "مساحات الاختلاف" المتراكمة بين النظام القطري وأغلبية أنظمة دول مجلس التعاون الخليجي شاسعة تجاه كل الملفات المشتعلة بالإقليم وهي مفتعلة؛ وتصل إلى درجة المكايدة في المواقف؛ حول (الصراع مع إيران ــ المشكلة اليمنية ومقاومة الانفصال الحوثوي ــ المسألة السودانية ــ القضية الليبية ــ المشكلة السورية ــ القاعدة الأميركية الضخمة في العديد ــ الاندماج مع مشروعات الأغا العثمانللي التركي أردوغان ــ احتضان الجماعة البنائية المتأخونة ــ الدور الفاسد لقناة الجزيرة والصحف والقنوات التي تتمول بالمال القطري؛ إلخ إلخ...)

*** ثالثا: عقب قيامه بتفخيم حالة الاستقبال الأميركي للأمير القطري؛ التي مررها في مفتتح تغريدته متوائما مع الإعلام المنفق عليه قطريا، ـ حيث ذكرت قناة الجزيرة قول دونالد ترامب أن تميم بن حمد هو "قائد يحظى بالاحترام في منطقة مهمة من العالم" ـ ويقفز الدكتور حسن نافعة قفزة مباغتة؛ ملحقا ما قاله بعبارة أن ذلك الاستقبال {ليس سوى حلقة في مسلسل الابتزاز الأميركي المتواصل لدول الخليج العربي: ماليا}.

وهنا يبرز السؤال: لمن يكتب الدكتور حسن نافعة هذا الكلام السطحوي للغاية؟ هل حقا يوجهه للنظام القطري، والذي يخوض معاركه باختياره المطلق؛ والقائم على نظرية أن "مركز الثقل الجيو سياسوي" في منطقة خليج النفط والغاز، لا يمكن أن يستمر سعودويا إلى نهاية الزمان.

لذلك رتب هذا النظام القطري استعداداته للانبطاح المطلق أمام الحضور الأميركي؛ فضلا عن التماهي المطلق وهذا غير مطلوب منه أو من غيره مع (دولة الكيان الصهيونو ي) بالتعاون والتزاور والتواصل الظاهر والخفي؛ بغرض تقديم نفسه بديلا يغتصب حضور النظام السعودي الدولة المركزية الخليجية التقليدية؛ لتكون أمارة قطر هي البديل الاستراتيجاوي؛ ما وفر الفرصة لسحب القوات الأميركية من  قاعدة الأمير سلطان الجوية بعد رفض المملكة العربية السعودية انطلاق العمليات العسكريتارية الأميركية تجاه أفغانستان من الأراضي السعودية.

فقام النظام القطري بتوفير البديل للقوات الأميركية بالأموال السخية في إنشاء (قاعدة العديد)؛ وأنفق 8 مليار دولار مكتملة على توسعتها الضخمة مؤخرا من الأموال القطرية بطريقة مفرطة؛ ما جعل ترامب يقول بجرأة للناخب الأميركي في وجود تميم بن حمد عن تطوير (قاعدة العديد) "نحمد الله أنها بأموالكم وليس بأموالنا"، أي أنها بإنفاق قطرى بامتياز ومن أموال القطريين؛ وأن (الإدارة الأميركية لم تتكلف سنتا واحدا)؛ مضيفا إنها "من أهم القواعد العسكرية في العالم"!!

والمخزى أن الترجمة الفورية لقناة الجزيرة - حسب ما ذكره موقع اليوم السابع -تجاهلت سخرية دونالد ترامب وهو يقول: "(نحمد الله أنها بأموالكم وليس بأموالنا"، فامتنع المترجم تماما عن الترجمة، وتوقف عن الحديث بشكل مفاجئ ليبدأ الترجمة من الجملة التى تليها)!

**** رابعا: وقد تكون هذه الأموال القطرية السخية هي ما جعلت الدكتور حسن نافعة يقع أسير الشعور من داخله بافتراض ضرورة حرارة الاستقبال الاميركي إلى الأمير القطري؛ فقام بتصدير شعوره الخاص في مفتتح تغريدته تفخيما؛ ليعقبها بأن دول الخليج تتعرض للابتزاز الأميركي؛ من أجل تحقيق مستهدف استنزاف ثرواتهم المالية؛ والأخطر من (منظور سمك لبن تمر هندي) الذي يتبعه في تغريدته يضيف السبب الثاني وهو: (تطويعهم للارتماء في أحضان اسرائيل ـ كتبها من دون وضعها بين مزدوجين ـ والتخلي عن القضية الفلسطينية).

**** خامسا: ويجمع الدكتور نافعة الأنظمة العربية كلها ( الفرقاء كلهم)؛ ليصفهم بأنهم كلهم في "الهوا سوا"؛ أي ينفذون الأجندة الأميركية (لا فرق بين نظام عربي وآخر، فكلهم في "الهوا سوا"، فمتى تفيق الشعوب العربية؟)!!

وهذا الاستطراد في رصف الكلمات؛ وبناء مواقف لا تعكس عقلية استاذ جامعي في علوم السياسة؛ بل تشير إلى إهماله منهجية بناء الموقف المؤسس على قواعد التفكير العلمي الصارم؛ بعيدا عن الأهواء الذاتوية أو السياسوية.

*****

** الدكتور حسن نافعة يدرك تمام الإدراك أن "النظام القطري" يعد أحد أهم أدوات تنفيذ الاستراتيجية الأميركية الخاصة بالشرق الأوسط المفتت؛ ولا يحتاج إلى انتزاعه من صلب وظيفته ودوره في تدمير العراق؛ ولا يقبل بتجريده من دوره في تدمير الدولة السورية وإنهاكها سعيا لإسقاط نظامها؛ ويرفض انتزاعه من مهمته في تفتيت الدولة الوطنية الليبية ودعم الحكومة المتأخونة مع إرهابييها بالأسلحة. ويرفض التقليل من دوره بتضخيم دور نظام الأغا العثمانلي المتأخون أردوغان في المنطقة؛ وتثبيته بها.

** و"النظام القطري" يلعب دوره الخاص بتفتيت الدولة اليمنية، ودعم الانشقاق الحوثي ذلك الفصيل المشايع لإيران؛ فضلا عن التنسيق الكامل مع نظام المرشد في إيران.

** و"النظام القطري" يحتفظ بالعلاقات المتميزة مع "دولة الكيان الصهيونوي"، كما يقال(عيني عينك)؛ ويعمل عرابا لحركة حماس عضو الجماعة البنائية المتأخونة، والتنسيق بينها وبين "الدولة الصهيونوية"؛ في إطار "صهينة" المنطقة كلها عبر "قناة الجزيرة" وتوابعها ومشابهاتها. موظفا في ذلك العديد من الكوادر النخبوية، والأكاديموية والإعلاموية التي تستفيد من "العطايا النقدية القطرية".

** إن عملية تجميع كافة "الأنظمة العربية" في سلة واحدة مع "النظام القطري" الذي اختتم به الدكتور حسن نافعة تغريدته؛ يمثل خلطا عمديا للأوراق؛ ويقوم به بهدف التمويه على طبيعة الأدوار؛ والنسق التآمراتي الحاكم لحركة تدمير "نظام الدولة الوطنية" في المنطقة؛ بمساعدة من كوادر تدعي ليبراليتها؛ وهي غارقة في البركة الملوثة.

** فالانظمة العربية التي تقف على طرف النقيض من "النظام القطري" تدرك دوافع ومحركات ذلك النظام؛ وقد جعل ثروته الوطنوية الغازية وبالا على الأمة؛ من أجل البحث عن دور لا يمكن تحققه؛ نتيجة فقدانه آليات أن يكون نظاما له ثقله المركزي في المنطقة؛ نتيجة طبيعة الرقعة الجغرافية "النتوئية"؛ ومحدودية القدرة السكانية؛ والحجم العسكريتاي الوطني الصغير؛ وتقليدية رصيد الموروث السياسوي والثقافوي والاجتماعوي؛ لذلك فعدم توافر  العناصر الاستراتيجاوية الوازنة يجعل من "النظام القطري" مانح هبات وعطايا فقط؛ وممول ومسدد فاتورة السلاح والميليشيات ولوجستيات التدمير.

*****

والسؤال الجوهري الموجه للدكتور حسن نافعة أستاذ العلوم السياسوية: لماذا يمارس المسلكية الكتابية الشعبوية المفرطة في تغريدته بسؤاله[متى تفيق الشعوب العربية]؟ فهل حدد دلالات هذا الاصطلاح قبل ترويجه؛ وقدم المقياس الوازن لهذا الاصطلاح، بعيدا عن التعميمات المحيطة بمعنى "الشعوب العربية"؛ وآليات فعاليتها؛ وقدراتها ومناخات تفعيلها؟ وسياقات حركيتها بعيدا عن الفوضوية الشعبوية الناجمة عن الاحتشاد والتجمهر.

وهل يمتلك أستاذ العلوم السياسوية تصورا موضوعيا لآليات "معنى استفاقة الشعوب العربية" التي يلعب بها ككتلة؛ وتوافر نظم أكسابها فعاليتها، ليطرحه تأسيسا لوعي موضوعي بالحركة الوطنية الناجعة؛ بعيدا عن المتوهمات والمتشوقات التي تخفي مسكوتا عنه نخبويا مريبا؟

***** 

إن الأهم من ذلك ألا يقوم الدكتور حسن نافعة أستاذ العلوم السياسوية، بخلط الأوراق في "المشكلة القطرية" ودور نظامها للتعمية على وعي الجمهور؛ فليكشف في كتاباته: من هو الطرف الذي يضر بقضايا الأمة العربية ودولها وأنظمتها؟ ومن ضمن دول الإقليم هو الذي يوظف "فن الممكن" لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من خسائر الأمة؟ لكي يمكن النظر إليه بتقدير؛ بدل أن يحشر حسن نافعة نفسه مرتديا (بالطو) الليبرالية؛ ويقف في مربع الاسترابة؛ بل هو  يتربع داخله باقتدار!!

                    "رأفت السويركي" 

الثلاثاء، 9 يوليو 2019

تفكيك خطاب العقل النخبوي الإعلاموي المتسيس ( 112 ) مخادعة ترويج التماثل والتوافق والاتفاق بين "العسكر" و"الجماعة المتأخونة"!!

تفكيك خطاب العقل النخبوي الإعلاموي المتسيس ( 
112 )
مخادعة ترويج التماثل والتوافق والاتفاق بين "العسكر" و"الجماعة المتأخونة"!!
-----------------------------------------------------

 يشهد فضاء "فيس بوك" راهنا، دأب بعض النخب الإعلاموية المتسيسة، لبناء تصور مكذوب حول وجود منظومة ثنائية؛ تختزل وزن وبنية وقوة وقيمة "المؤسسة العسكرية الوطنية المصرية" بجيشها العملاق في العديد والعتاد؛ لتضعها متساوية في مقابل ضحالة ولا وطنية "الجماعة البنائية المتأخونة" والموصومة بالإرهاب؛ ومحدودة القيمة والقوة؛ لتكرار تطبيع وتطبيق "سيناريو الربيع الصهيونوي للفوضى".  

وهذه الحالة النخبوية في مضمر خطابها التدويناتي، تجتهد كلما اتيحت لها الفرصة، لتشتيت جهد التحشيد الجماهيري حول ثوابت المسألة الوطنية؛ وهو ما يفرض ضرورة كشف "نقاب العماء" الذي تحاول به هذه النخبة تضبيب المحيط بطبيعة ما تسمى القوى في الشارع المصري؛ والمخادعة في تبيان أوزانها الحقيقية، وارتباطاتها وسيناريوهات مشروعاتها.

*****

إن "الرصد الاستكشافي" يلمح مشروع بعض تلك النخب ــ غير التنظيمية ــ لتكثيف التدوين بهدف إعادة تبييض سمعة "الجماعة البنائية المتأخونة"؛ اختباء بادعاء الحيادية؛ والوقوف المدعى على مسافة متساوية من كل القوى في المجتمع المصري. والمسألة في الواقع خلاف ذلك؛ إذ أن هذه النخبة تستصنع؛ حتى وإن لم تع ذلك صورة مكذوبة ذات ثقل لهذه الجماعة البنائية.

وتسقط تلك النخب في متوهم الظن بالنجاح؛ في أنها ستثير من الزوابع حول "المؤسسة الوطنية العسكريتارية المصرية"؛ ما يساعد "جماعة حسن البناء" على الإفلات من الحصار المتنامي الراهن حول وجودها؛ وكشف دورها غير الوطنوي؛ بل غير الإسلاموي الذي تدعيه أيضا؛ وقد تأسست في عباءة اختباءاته. 

لذلك فهذه النخبة المصابة بحمى "التنديد بالعسكرة" يغيب عنها "فقه الضرورات" الوطنية؛ والذي يدرك أهمية الوجود القوي؛ وإشراف هذه المؤسسة ــ راهنا ــ على مقاليد تسيير شؤون الحياة في وطنها.

***** 

إن أحدث تمظهرات خطاب بعض أفراد تلك النخبة؛ يروج لما تستصنعه من ثنائية (العسكر) و(الإخوان)؛ وبما يحصر المسألة الوطنية المصرية في هذه الموضوعة فقط. وتتموقع هذه النخب في واحد من مربعات: إما أن تكون من عناصر المتأخونين بالانتماء أو الهوى؛ أو من جلاس مقاعد مقاهي النظرية الإيديولوجية المتمركسة؛ أو من فئة المتنشطين ومن يرفعون رايات وشعارات ما يسمى المجتمع المدني. 

ويمكن أن يضاف اليها بعض نخب "الماضوية السياسوية الحزبوية" بجذورها الممتدة إلى شجرة العبودية الإقطاعوية في مصر؛ والتي قامت بقبرها ثورة 23 يوليو/تموز 1952م. وأغلبية هذه النوعيات من النخب تضمر حنقا تجاه هذه الثورة؛ على الرغم من منجزها الخاص بمجانية التعليم؛ والذي لو لم يعمم؛ لنشأت هذه النخب الناقمة على حواف الترع والحقول "وتفك الخط" بأفرع الأشجار على ألواح من الطين!!. 

*****

والمؤسف أن هذه النوعية من النخبة لا تزال تقف في تضاد مريب تجاه "المؤسسة العسكرية الوطنية"؛ انسياقا خلف شعاراتية تكوين مفتقد مبتسر؛ يراد استيلاده، باسم "المجتمع المدني"؛ من دون دراسة الشروط التاريخاوية الموضوعية، والإمكانات الاقتصاديوية، والآليات الثقافوية والاجتماعوية لإيجاده.

والمريب في موقفيات هذه النخبة؛ وهي تستميت في ترسيم خريطة مستصنعة لما تسميه الصراع بين (العسكر) و(الإخوان) أنها تحاول تشييد حائطها للمبكى: بأن العلاقة الثنائية المتوهمة، بين هذين الموجودين هي التي تتحمل أوزار إفقار الحياة السياسوية المصرية. 

وهذا ما يكشف التداعي المتهافت لدى هذه النخب في مهارة وقدرة قراءة حقيقة الواقع في مصر؛ ما يفرض وجوب كشف الحسابات الانتمائية لهذه النخب المتضادة؛ تجاه القوة الوطنية الفاعلة والضابطة في الواقع المصري؛ أي مؤسسة الجيش الوطنية؛ والتي تخوض معارك الوجود الدفاعي عن الوطن.

*****

 إن ما تقوم به هذه النوعية من النخبة؛ هو محاولة تثبيت متصور ذهنوي فاسد؛ بوجود "تحالف بنيوي" بين "المؤسسة العسكرية المصرية" و"الجماعة المتأخونة"؛ منذ خمسينات القرن العشرين أي قيام ثورة 23يوليو/ تموز 1952م؛ وتتوهم أن ذلك التحالف قائم على قاعدتي "التقارب والتفارق" وفق طبيعة المرحلة؛ ومصلحة كل منهما خلال الظروف؛ والتي تحكم عليهما بالاتفاق أو الاختلاف؛ بالاقتراب أو التباعد!

وتعيش هذه النوعية النخبوية حالة التداعي الفكراني؛ بتوهم حالة تماه بين "مؤسسة الجيش الوطني المصري" وبين "الجماعة البنائية المتأخونة"؛ تجعلهما حسب هذا التصور المشبوه؛ يتفقان ويتوافقان في مراحل محددة على الاندماج البنيوي؛ بل والقيام بتنسيق الأدوار والفعاليات؛ وتبادل المواقع والوظائف.

وتواصل هذه النوعية من النخبة بناء متوهمها السياسوي؛ بالتأكيد على وجود "القانون العرفوي" الضابط بين "المؤسسة العسكرية المصرية" و"الجماعة البنائية المتأخونة" على إدارة الدولة المصرية؛ وفق معطيات قوة ومغالبة كل طرف للآخر؛ كما حدث في أحداث فوضى يناير /كانون الثاني2011م.

بل وتصل درجة "المنطق المَعْقوف"؛ أي الملتوي من طرفه وليس الشعار النازي؛ لاستصناع تصور "مؤامراتي" معيب؛ بوجود حالة من الترتيب المشترك لدور كل منهما"؛ والتوافق على التبادل" والدعم والتعاون باحتفاء من كليهما" حسب الدور والمرحلة. في إطار جهد من هذه النخبة يستهدف  تجريد "المؤسسة الوطنية العسكرية" من وطنيتها؛ وتحويلها إلى "زمرة من الجنرالات"؛ التي تحتبس مصر لمنفعتها الفردانية.

إن ذلك "المنطق المَعْقوف" لهذه النوعية من النخبة؛ يحاول أن يهيل التراب على رأس أشرف مؤسسة وطنية في مصر؛ ويكدح لتقزيم دور هذه المؤسسة" والتي لا يمكن أن تخون وطنها، أو تقامر بمستقبله مهما كانت الضغوط والتحديات.

*****

وتكشف هذه النخبوية المهجوسة بالشعارات؛ وفق مربعاتها المتنشطة؛ أو المتأخونة أو المتأدلجة عن مكمن مرضها السياسوي؛ بالسعي لتقزيم قيمة "المؤسسة العسكرية الوطنية المصرية" والهبوط بها لمستوى التساوي مع "جماعة ضحلة القيمة والقوة"؛ وتتغافل عمدا عن مدلول عدم توظيف "المؤسسة العسكرية المصرية" لما يسمى "منهج القوة المفرطة" في حماية الوطن إذا اقتضى الأمر ذلك؛ وهو خيار من المكروهات لدى الجيش الوطني المصري؛ طالما أن البدائل المأمونة متاحة للتوظيف؛ حرصا على الدم الوطني؛ واجتناب سيناريوهات الاحتراب الداخلي" المتضمنة في استراتيجيات "الربيع العبروي المتصهين".

"المؤسسة الوطنية العسكرية المصرية" بمهارة توظيف "استراتيجيات الضرورة" لم تتخل عن أمن مصر وسلامتها؛ وعقلها العسكريتاري الوطني ــ عقل العبور ــ تعامل بمهارة فائقة مع سيناريوهات "ربيع الفوضى"؛ لتجنيب مصر المصير المشؤوم الذي طال العراق وسوريا وليبيا؛ بالدخول في حالة احترابات الفوضى؛ ولم يقامر بوطنيته.

*****

إن مهارة "استيعاب الصدمة" والتمرس على التعامل الاستراتيجاوي المرن وفق "فقه الحالة"؛ جعلت "المجلس العسكري المصري" يضغط على حسني مبارك للتنحي؛ في إطار إعطال توظيف القوة الشعبوية المحتشدة والمساقة بشعارات الفوضى في الميادين؛ والتي تسللت إليها كوادر "الجماعة المتأخونة" لإشعال الحرائق والتمترس في الميادين. فتجلى ذكاء "العقل العسكريتاري المصري" بامتصاص الضغط المستصنع؛ عبر تأكيد انتهاء مرحلة نظام مبارك.

واستكمالا لاستراتيجيات "إدارة الأزمة" استوعب المجلس العسكري المصري متغيرات المرحلة بالإشراف على إدارة الدولة؛ والتجهيز لانتخابات جديدة، تتواءم مع استراتيجية امتصاص ضغوط المتغيرات الإقليمية؛ الساعية لهدم "نظام الدولة الوطنية" بالربيع الصهيونوي.

وأشرفت على سيناريو حماية الدولة بانتخابات استشرافية فارزة للقوى في الشارع؛ فكانت الفرصة المتاحة لـ "الجماعة البنائية المتأخونة" لتصعد للمرة الأولى في تاريخها؛ كما هو معروف على حساب أصوات المرشح أحمد شفيق الكثيفة إلى درجة التغلب؛ وذلك امتصاصا وافسادا لخراب كان ينتظر مصر؛ حسب سيناريو الربيع الصهيونوي؛ والذي قام بتمكين عناصر هذه الجماعة العميلة للاستخبارات الغربية من سدة الحكم في العراق وتونس وليبيا؛ والبروز في أحداث تخريب الدولة السورية.

إن أسرار ووثائق تلك المرحلة الحرجة من عمر الوطن لم يتم الإفراج عنها بعد؛ والتي تثبت الذكاء العسكريتاري الخارق للجيش المصري؛ والذي تجلى كذلك في إزاحة تلك "الجماعة البنائية المتأخونة" من سدة الحكم في 30 يونيو/حزيران 2013م؛ بعدما أبرزت وجهها البشع؛ بالدخول في مرحلة تقسيم مصر(بيع ثلث سيناء، وإزالة حلايب وشلاتين من الخريطة، وطظ في مصر واللي في مصر أنموذجا).

***** 

الحقائق التي لم يتم الكشف عنها كثيرة؛ لأن الوقت لم يحن بعد لذلك؛ وكلها تؤكد ثوابت "شرف المؤسسة الوطنية العسكرية المصرية"؛ والتي لا تبيع مصر؛ ولا يفرط جندها في حبة رمل واحدة؛ هذا الجند الذي يجسد معنى الحديث المسنود إلى: {عن عمرو بن العاص رضى الله عنه: حدثنى عمر رضى الله عنه أنَّه سمع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: «إذا فتح الله عليكم مصر بعدي فاتخذوا فيها جندًا كثيفًا؛ فذلك الجند خير أجناد الأرض» فقال له أبو بكر: ولم ذلك يا رسول الله؟ قال: «لأنهم في رباط إلى يوم القيامة».}

أما ذلك الذي تتوهمه "النخبة المشوهة الوجدان"؛ فتقوم برصف معادلة توازن بين ما تسميه (ديكتاتورية العسكر) و(إرهاب الجماعة البنائية المتأخونة)؛ مدعية احتكارهما المشهد السياسوي؛ بما يعطل إمكانات متوهم إنشاء كيانات حزبوية مدنية؛ فذلك يدل على المستهدف النخبوي المضاد للجيش المصري الوطني؛ لأن تلك الكيانات الحزبوية القديمة والجديدة متواجدة بالفعل؛ والطريق الدستورية مفتوحة لإنشاء الجديد منها؛ لكنها تحمل ملامح الإعياء؛ والعجز النخبوي المدني؛ والذي لا يمل من عزف أنشودة أن العسكر يعطلون الحياة المدنية؛ مندمجين في ذلك مع الجماعة البنائية؛ ورواد مقاهي النظرية؛ ومتنشطي الجمعيات الدولارية.

*****

لذلك من المفاكهة؛ وسخرية القول إننا نتمنى على "المؤسسة الوطنية العسكرية المصرية"؛ أن تساعد تلك "النخبة المتهافتة" في إنشاء أحزابها المدنية؛ لترضى عن جيشها المصري الوطني؛ ولا تبقى تعيش مخادعة استصناع ما تروج له؛ عن التماثل والتوافق والاتفاق بين (العسكر )و(الجماعةالمتأخونة)!!  

                  "رأفت السويركي"

السبت، 15 يونيو 2019

تفكيك خطاب العقل النخبوي الوسيطوي المنحاز (111) تفتيت ليبيا إلى ”زنقات" تحارب "زنقات"... (غسان سلامة أنموذجا)!!

تفكيك خطاب العقل النخبوي الوسيطوي المنحاز  (111)

تفتيت ليبيا إلى ”زنقات" تحارب "زنقات"

... (غسان سلامة أنموذجا)!!

---------------------------------------------------------



وفق ما يبدو من حصاد آليات الرصد الموضوعي؛ لحضور  منظمة الأمم المتحدة في المرحلة الراهنة أنها تفارق بصورة كبيرة مربع الموضوعية المبتغاة من أغلبية شعوب المنطقة؛ والتي تشتعل بنيران ما جرى فرضه عليها في سياق (الربيع الصهيونوي) المسمى مخادعة بـ(الربيع العربي).

إذ أن هذه المنظمة ديكورية الحضور؛ والمترهلة وظيفويا في المرحلة الراهنة عبر مبتعثيها من الدبلوماسيين الدوليين؛ جعلت من نفسها ادعاء طرفا يقف على هامش ما يسمى “المخادعة السياسوية”؛ وليس “المشاركة الإيجابوية” في تقنين إعادة الاعتبار للحق التاريخاوي للشعوب، والحفاظ على كينونة النظم الدولاتية المستقرة.  

***** 

إن هذا التحول البنيوي الظاهر؛ حين النظر إلى وظائفية مبتعثي الأمم المتحدة في معالجة ملفات الأزمات المشتعلة راهنا؛ يكشف (مسكوتا عنه) ومضمرا على درجة كبيرة من الخطورة السياسوية؛ وهذا المضمر؛ يجري انتزاع ترسيخه عبر طاولات الوساطة والتفاوض؛ فيما هو يتداعى، أو يوشك على الانيهيار؛ وفق حسابات الواقع والحركة على الأرض.

والموضوعة الليبية تأتي هنا على سبيل المثال؛ إذ أن آليات الحركة الحافة بها؛ تتنمذج كذلك في المسألة اليمنية؛ وفي المسألة السورية؛ وفي المسألة الصومالية؛ وفي المسألة الصحراوية بالمغرب؛ وغيرها من نماذج “تفتييت الدولة الوطنية القديمة”؛ أو المصطنعة مؤخرا.

وبالتركيز على موضوعة هذه التدوينة المتعلقة بالمسألة الليبية؛ يمكن تلمس مدى الغضب الكبير؛ الذي يحيط بالدور الذي يلعبه ما يسمى (المبعوث الأممي)؛ وهنا يأتي اسم الدكتور غسان سلامة.

***** 






إن دهاليز اختيار المبعوث الأممي، تعتمل بالعديد من العوامل التي يتم على أساسها التفضيل والتغليب؛ بافتراض توافر الخبرة الدبلوماسوية لديه؛ بحكم عمله السابق، أو امتلاكه من الثقافة السياسوية؛ ما يجعله مستعدا لخوض معتركات التحارب والتشاحن، وتعارض الأجندات، ومطامح الأطراف المتصارعة. 

ودرأ لتواصل (الكتابة النظرياتية) حول دور أي مبتعث أممي في المشكلات الراهنة؛ ستهتم هذه التدوينة بالتركيز على (المسألة الليبية)؛ للوصول إلى قوانين الحركة على أرض الصراع؛ واكتشاف (المسكوت عنه) الأممي الدال على افتقاد الدبلوماسية الأممية التنظيمية للبراءة؛ بحكم أن طاولات مجلس الأمن؛ كاشفة لمشروعات التصارع الدولية، وفق معايير القوة على الأرض، والعقائد الإيديولوجية العولمية اللاعبة في مناطق النفوذ.

*** الوسيط غسان سلامة:
----------------------

هو أستاذ جامعي لبناني؛ دخل حقل الدبلوماسية حين كلف - حسب موسوعة ويكيبيديا ـ بــ"تنظيم القمة العربية في بيروت التي تبنت المبادرة العربية السعودية للسلام مع إسرائيل، وبتنظيم القمة الفرنكوفونية في بيروت؛ وشارك في وفد الأمم المتحدة المبعوث إلى العراق بعد الاحتلال الأميركي 2003م؛ وكاد أن يلقى مصرعه في حادث تفجير مبنى الأمم المتحدة في بغداد؛ كما عمل مستشاراً للأخضر الابراهيمي خلال مهمته للعراق وسوريا".

ولعل هذه الأدوار رشحته لخوض تجربة (المسألة الليبية)؛ وفق اعتياد مجلس الأمن بنقل ملفات السخونة العملياتية إلى طاولات نيويورك، للاستماع للرأي والرأي الآخر؛ واستصناع معادلات دبلوماسوية للقوة؛ تراوح في مواقف الـ (مع) والـ (ضد) بحسابات القوة على الأرض.

والسؤال: هل نجح غسان سلامة كعادة كل مبتعثى الأمم المتحدة في مناطق الأزمات؛ بإعادة صياغة خريطة إنهاء المشكلة الليبية؟ والإجابة المحققة هي أنه فشل؛ وسيبقى فاشلا؛ إلى أن تقوم مقاييس القوة بفعلها الحاسم على الأرض؛ وتتغير معاييرها عملياتيا بالسلاح.

***** 

إن الدور الذي يمكن أن يلعبه المبعوث الأممي؛ هو في حقيقته دور (ديكورياتي)؛ لإشهار حضور الأطراف اللاعبة عولميا؛ خارج ساحات العمليات بالمساندة الأدواتية عبر السلاح والمعلومات؛ ولابأس من العناصر (المجوقلة)؛ أي (المنقولة جوًا)؛ أو (المبحرنة) اشتقاقا بالمماثلة من الاصطلاح العسكريتاري (المنقولة بحرا)؛ التي تدخل إلى الميادين؛ وتعيد تغيير موازين القوى، وفي الأغلب تنتمي إلى الفرق الميليشياوياتية؛ التي تستهدف الجيوش الوطنية بالإنهاك.

ولعل تفكيك خطاب الدكتور غسان سلامة المتعلق بالمسألة الليبية؛ والانطلاق من انحيازته كمندوب عولمي؛ يكشف تفاصيل مشروع مفوضيه والسابغين عليه لقب (المبعوث الأممي)... كيف؟!

***  القضية الليبية:
-----------------

عقب عدوان قوات الناتو على ليبيا؛ وإسقاط حكم معمر القذافي؛ جرى تنفيد سيناريو حالة (الربيع الصهيونوي)؛ وفق الخصوصوية الليبية؛ بمراعاة المعطيات الاستراتيجاوية الحافة بالجغرافيا السياسوية الليبية؛ القائمة على ثوابت:

-  وجود (المعطيات الجغرافية) القائمة على الاتساع الكبير في مساحة الأرض الليبية.

- وجود (المعطيات الديموغرافية) بالتعدد العرقوي السكاني والقبائلي. والمتشكل من العرب بفروعهم؛ والبربرر والتبو هيا؛ والكراغلة من التركمان والاكراد والشركس والألبان؛ وبعض العناصر من الايطاليين.

- وجود (المعطيات الثرواتية) المرتبطة بالثروة النفطية؛ التي تمثل أكبر احتياطي نفطي في افريقيا مع الغاز الطبيعي والمعادن؛ فضلا عن الاستفادة بالحزام الشمسي الذي تقع ليبيا في سياقه؛ فضلا عن قدرات طاقة الرياح المتنوعة.

- وجود (المعطيات الاستراتيجاوية) العميقة والمرتبطة بالتماس الحدودي الطويل مع ست دول(مصر والسودان وتشاد والنيجر والجزائر وتونس)؛ وهو مجال متسع متنوع من الصحراوات؛ والمياه البحرية(البحر المتوسط).

والقراءة التفكيكاوية لخريطة الأحداث؛ وإدارة الصراع الظاهر في ليبيا على كل المستويات؛ تشير إلى ذلك السعي الخفي والحثيث؛ لتطبيق (متصورات تفتيت الدولة الليبية) والأخذ بها إلى نمطوية (الفدرلة)؛ خطوة أولى سعيا للوصول إلى نموذج (الزنقات) التي تحدث بها معمر القذافي قبل موته.

***** 

وفي واقع الأمر أن هذا التصور البنيوي، شبه مترسخ على الطاولات الاستخباراتية؛ وكافة التحركات الخارجوية تسعى لذلك؛ بدءا من منظومة الاتحاد الأوروبي؛ مرورا بالمشروع الأميركي؛ وصولا إلى تيار الانحراف السياسوي الإسلاموي؛ المتجسد في الفعاليات (التركية العثمانلية، والقطرية والجماعة الماسونية البنائية المتأخونة)؛ تلك الغارقة في تنفيذ (مستنقع الشرق الأوسط الصهيونوي الجديد).

لذلك يفضح المبتعث الأمموي الدكتور غسان سلامه خطابه؛ كونه يرسخ مستهدف (هدم الدولة الليبية) بصورتها البنيوية المستقرة. فهو يبدو ظاهراتيا محايدا في التحرك بين أطراف المسألة الليبية؛ ومتجاهلا طبيعة التركيبة لهذه الأطراف.

إن المحايدة المدعاة لدى الوسطاء المبتعثين من أجهزة الأمم المتحدة(كما في المسألتين الليبية واليمنية؛ هي محايدة منحازة إلى مواقف مغلوطة من المنظور الوطنوي). فالمساواة المتوازية بين الأطراف تمثل مخادعة؛ هدفها هدم الثوابت التي يعنيها (مفهوم الوطنوية)؛ إذ تضع على قدم المساواة مع الثابت الأصلوي عرضا طارئا؛ جرى استحداثه لهز هذا الأصل؛ وتغييره بآليات الحروب الحديثة.

وإذا كانت تجارب الهدم لنمط الدولة الراهنة؛ تشهد نفخا وتضخيما خارجويا في القوى المناقضة للقوة الوطنوية؛ فإن المبعوث الأمموي بالضرورة يتحول إلى موظف؛ يتغافل عن تغليب الضمير الإنسانوي؛ والتغافل عن تقدير الثوابت التي تتعرض لمحاولات الهدم؛ وهذا هو ما يبدو من تفكيك خطاب ومشوار حركة الدكتور غسان سلامة في الساحة الليبية المشهر إعلامويا؛ وتناقلته وكالات الإعلام والمواقع الإليكترونية.

** ظواهرية غسان سلامة:
----------------------

ــ  غسان سلامة يحاول أن يستصنع صورة المحايدة؛ تقريبا لوجهات النظر بين الأطراف؛ وفي ذلك تجاهل مشبوه للدوافع المحركة لجهود إنقاذ الدولة الوطنوية وليست الدولة المبتسرة الجديدة والمستورد نمطها من مكاتب أجهزة الاستخبارات.

ــ  غسان سلامة في الوقت الذي يحاول بمحايدته المدعاة تقليل مسببات النزاع؛ يعطي مشروعية مغتصبة لأطراف طارئة في قضية الصراع؛ لم يكن لها وجود على الأرض؛ فيكسبها مشروعية الاعتراف العالمي؛ ومنها ماهو متداع ومنهك القوة؛ وعلى وشك الانهيار والاندحار أمام القوة الوطنوية الرسمية(الجيش الليبي).

ــ  غسان سلامة يعبر في خطابه عن محصلة الصراع الدبلوماسوي الدولي، بين الكتل المحتضنة للأطراف أمام طاولة التداول في مجلس الأمن الدولي؛ ومخاطر هذا الأمر هو تثبيت مشروعية الأطراف الطارئة في لعبة الصراع؛ مما قد يطيل بذلك في عمرها ووجودها؛ إلى أن يجري حسم مسألتها فوق الأرض. 

ــ غسان سلامة يوازي بالمغالطة بين (القوى الأصيلة والأساس) وفي مقدمتها الجيوش الوطنوية؛ وبين (القوى الميليشياوية) المستحدثة في سيناريوهات التفتييت للدولة/ الوطن؛ وهنا ومع ما سبق ذكره يكون منحازا بالفعل لسيناريوهات الفوضى الصهيونوية؛ وليس في موقف المحايد؛ بل وهو يؤدي دورا محل الشكوك في مساندة قوى الفوضى. 

***** 
حين يحذر الدكتور غسان سلامة في تصريح نقلته رويترز: (الدول التي تميل إلى مواصلة دعم رجل شرق ليبيا القوي خليفة حفتر من أنه ليس ديمقراطيا كما أن معظم الليبيين لا يؤيدون برنامجه السياسي). 

وحين يقول لإذاعة فرانس إنتر: "خليفة حفتر هو ليس أبراهام لينكولن وليس بذلك الديمقراطي الكبير، لكن لديه مؤهلات ويريد توحيد البلاد"! 

وحين يدعو أمام مجلس الأمن الدولي إلى: (اتخاذ إجراءات فورية لوقف تدفق الأسلحة الذي يؤجج القتال والانزلاق إلى حرب أهلية يمكن أن تؤدي إلى الفوضى أو الانقسام الدائم للبلاد". 

فهذا الموقف من الوسيط يسفر عن برنامجه (المؤامراتي)؛ وأنه يتحدث بأجندة من رشحوه للوساطة؛ ودعموا اختياره ليكون لاعبا في المسألة الليبية.

** شبهات غسان سلامة:
------------------

- غسان سلامة هنا لا يوازن بين حسابات القوى العالمية على الطاولة؛ ويحاول صرفها عن دعم قائد الجيش الليبي الوطنوي خليفة حفتر؛ منحازا لقوى الفوضى في ليبيا التي تساندها قوى أخرى حول الطاولة.

- غسان سلامة يسبغ على نفسه مسوح (رسول الديموقراطية) المشبوهة؛ حين يصنف بمنطق التفتييت خليفة حفتر  مناطقيا (رجل شرق ليبيا)؛ ويصفه بالديكتاتور بحكم موقعه العسكريتاري؛ فيما هو القائد الذي يقود جيش ليبيا الوطني لانقاذ وطنه من سيناريو التفتييت والانفصال.

- غسان سلامة يقوم بتعميم حكم قيموي مخادع؛ بأن الليبيين لا يؤيدون برنامج خليفة حفتر السياسوي. وكأن غسان نفسه يمتلك المعلومات اليقينية والإحصاءات الدقيقة المؤكدة بأصوات الليبيين؛ الرافضين لبرنامج خليفة حفتر الوطنوي.

- غسان سلامة يحاول الانتقاص من صورة وقيمة خليفة حفتر؛ بانتزاعه من سياقه الليبي؛ ومقارنته بإبراهام لينكولن الأيقونة الأميركية؛ الذي نجح في (إعادة الولايات التي انفصلت عن الاتحاد بقوة السلاح، والقضاء على الحرب الأهلية الأميركية).
وهنا يقع الدكتور غسان في التناقض بقبول فعل لينكولن العسكريتاري بالحفاظ على الوحدة الأميركية؛ فيما يرفض جهود خليفة حفتر بالحفاظ على وحدة ليبيا بلادة من التفتت بالجهد العسكريتاري!!

- غسان سلامة هنا يقوم بممارسة الضغوط؛ عبر الترويج لضرورة الإيقاف الفوري لوقف تدفق السلاح؛ لمن؟! المؤكد أنه يقصد الجيش الليبي لإعطاله عن استكمال إعادة السيطرة على العاصمة الليبية من هيمنة الميليشيات الإرهابية المستجلبة؛ والمستزرعة في ليبيا بالجهود المضادة للدولة الوطنية الليبية. والملاحظ أن البرنامج (الأغواتي الأوردوغاني) لا يتوقف عن نقل الأسلحة والميليشيات الداعشية من العراق وسوريا إلى ليبيا.

- غسان سلامة لا يقترب بالتشهير من التكوين الهجين الذي هيمن على ليبيا واكتسب المشروعية من الرعاة بوجود رئيس المجلس الرئاسي في ليبيا فايز السراج، والمنتمي إلى الجماعة البنائية المتأخونة عراب سيناريو تدمير الشرق الأوسط لإقامة الشرق الأوسط الصهيونوي الجديد. إنه يركز على خليفة حفتر؛ مستهدفا بالتحريض لإعطال جهده في استرداد الدولة الليبية المختطفة من ميلشيات الإرهاب.

- غسان سلامة يروج لتخوفاته المبرمجة؛ من انزلاق ليبيا ادعاء إلى ما أسماه الحرب الأهلية؛ وهذه من مظان التزييف المفهوموي والعملياتي؛ الذي تشارك في ترويجه الكثير من النخب ذات الأجندات؛ فما يحدث في ليبيا كما في سوريا واليمن؛ ليس حربا أهلية وفق الادعاء، ولكن معارك الدفاع عن الدولة والوطن؛ والتي تخوضها الجيوش الأصلية في مواجهة الميليشيات الإرهابيوية العولمية المتسيسة والمستزرعة؛ وهي تنفذ تطبيق سيناريوهات الشرق الأوسط المتصهين الجديد.

***** 

 إن غسان سلامة ابن الذهنوية السياسوية التفتيتية؛ التي ربيت ونضجت وفق النموذج اللبنانوي العتيق؛ الذي سيجري تعميمه في المنطقة بعد أن تخفت نيران التصارع؛ هو أسير ذلك النموذج التطبيقوي؛ والمحكوم بصفات نموذج دولة الفرق والعرقويات والعقائد المتعددة(لبنان أنموذجا).

وإذا كانت (ميليشيات حزب الله) في لبنان لها إسهاماتها الكبيرة؛ والمقدرة في مواجهة دولة الكيان الصهيونوي؛ واعتباره العدو الحقيقي للأمة؛ فأية ميليشيات مشبوهة في ليبيا يتوسط غسان سلامة للحفاظ على وجودها يمكن أن تلعب هذا الدور المماثل لحزب الله؟! لا توجد سوى ميليشيات الدواعش!!

***** 

إن الجولات المحمومة الطوافة للدكتور غسان سلامة على بعض فعاليات دول الاتحاد الأوروبي؛ ومحاولاته دفعها لرفع يد الدعم عن الجيش الليبي؛ وتصريحاته الأخيرة المتحولة بالتضاد مع جهود ذلك الجيش؛ لاسترداد دولته مما يتربص بها من مخططات وسيناريوهات؛ ليست غير مواصلة تطبيق سيناريو تفتيت ليبيا إلى (زنقات) تحارب (زنقات)... (وهذا خطاب الوسيط الأمموي الدكتور غسان سلامة أنموذجا)!!

                                     "رأفت السويركي"

الجمعة، 11 مايو 2018

السلفية الجهادوية “… 
مأزق تقنين القتل باحتكار العقيدة!!
———————————————————————-

يستهلك باحثو الإسلام السياسوي والإعلاميون بإفراط عمدا أو من دون احتراز اصطلاح ما ذاع باسم ” السلفية الجهادية “؛ بعيدا عن التوقف برهة للتفكر في مدى صواب هذا الاصطلاح، وحجم انفصاله عن سياق الفهم الصائب للعقيدة وطبيعتها، ومدى تأثير الفهوم الفقهوية البشرية على استصناع ” الصورة الذهنية ” المغلوطة حين صياغة العقيدة للهوية من المنظور السياسوي.

ويقع هؤلاء من دون إعمال العقل في المسمى والظاهرة أسرى خلل التناقض الظاهري؛ إذ على الرغم من انتقادهم لفعل ما تسمى ” السلفية الجهادوية ” يبدو أنهم مقتنعون باصطلاح تسميتها، على الرغم من أن خطابهم الفكروي والإعلاموي يُندد بالمعنى الذي يقصده ذلك الاصطلاح، توصيفاً وتحليلاً ونقداً.

إن اصطلاح ” السلفية الجهادوية ” المرتهن للارتباط بالفهم الماضوي للإسلام التاريخاني؛ هو اصطلاح مستحدث يجري ترسيخ تواجده المتوهم، في مناخ تحويل ما يسمى الإسلام السياسوي إلى رقم له وزن الكتلة التي يجرى إدراجها في إطار ” ظاهرة التعولم “؛ والمرتبطة بالتحول الهيكلي للاقتصاد الرأسمالوي العولمي الطامح إلى الهيمنة على الإقليم في سياق ” سيناريو الشرق الأوسط الجديد “، والمشتغل على تفتيت ” نظام الدولة الوطنية الجامعة ” لإلحاقها في سياق إعادة استيلاد الدول الهوياتية عرقيا ومذهبيا.

مفهوم مغاير للسلف الصالح
————————

إلى ماذا يشير اصطلاح “السلفية الجهادوية”؟، وهل ينبغي أن يفرط أصحاب الوعي والإدراك في استخدامه، وترداده بإفراط حتى رسخ هذا المسمى رسوخاً جعل منه أحد ثوابت ومفردات الخطاب التوصيف لعمليات القتل والتفجير والتدمير اللامحدودة، التي تقوم بها جماعات عقدية متسيسة، أو أفراد منتسبون إليها بما يستصنع بفعلهم ذلك صورة مغايرة للمعنى الصحيح لاصطلاح “السلف”.

إن جماعات ما يُسمى “السلفية الجهادوية”، تتمسك وتفتخر بالتسمية، حرصاً منها على تثبيت التصاقها بـخيرية “السلف الصالح”، ممن أعقبوا تاريخياً جيل الصحابة المكرمين، ويحتمون بظل حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، الذي رواه البخاري ومسلم، عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “خَيْرُ النَّاسِ قَرْنِي، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ”.

والخيرية في هذا التحديد تتمثل في أن رجال القرون الثلاثة الأولى من عهد الدولة الإسلاموية الأولى أسبغت عليهم الروايات صفات الورع؛ والزهد وتغلغل العقيدة في نفوسهم، فخرجوا فاتحين رافعين كلمة الله لنشر دينه، خاتم الرسالات إلى البشر.

ما فعله الفقهاء
————-

ومع الحركية الإيمانية في الفعل لنشر العقيدة، وإقامة دولة الإسلام والإيمان، بكل أخلاقياتها السماوية، كانت هناك ثوابت التقوى وفهم العقيدة الفهم الصحيح، الذي ألقاه النص القرآني على القلوب أو العقول، بعيداً عما أحاط به من نصوص حافة مغلقة، من إنتاج عقول ما تم التعارف عليه بمسمى “العُلماء” أو “الفقهاء”، الذين وضعوا نصوصاً تُعبِّرُ عن فهمهم الخاص بزمنهم للنص، وهو الفهم المحكوم بمعارف عصرهم المحدودة، والمتداولة من خلال اصطلاح “العنعنات” عن”المرويات”، وكلها نصوص في الحقيقة كَبَّلت تأثيرات النص المقدس المباشرة، وما يحتويه من القيم الإيمانية المتفقة مع فطرة الخلق، والتي تَقرُّ في العقول المكني عنها قرآنياً باصطلاح “القلوب”.

لقد احتكرت الجماعات الموصوفة بـ “السلفية الجهادوية” الفهم القرآني، لتفرض تأويلاً خاصاً من منظورها، لعماد هذا الدين السمح وهو القرآن، وتنتقل من ثابت الدعوة بالموعظة الحسنة، إلى متحرك العنف الدموي، الخارج عن روح وجوهر العقيدة، والتي انتشرت منذ قرون عديدة ولم تعد الآن تواجه الغربة والعزلة والحصار والمقاومة، كما كان الأمر وقت نزول رسالة السماء على قلب الرسول الأكرم، بدعوته الناس إلى التوحيد والإيمان بالله، وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة، وحج البيت من استطاع إليه سبيلاً”.

مزاوجة الإيمان بالجهاد
——————-

لقد زاوجت هذه الجماعات العنفوية في اشتراط تعسفي بين الإيمان وما وصفته الجهاد، عبر التأويل الخاص الذي يتجاهل متغيرات الزمان وموازين القوى، وثوابت وحقائق امتداد العقيدة الهائل من دون العنف الراهن والبشع في نتائجه، إذ وصل عدد المسلمين في العالم الآن إلى 2.5 ملـيار مسلم.

والتوقعات الإحصائية تشير حسب دراسة أميركية أجراها مركز “بيو” للأبحاث إلى تساوي عدد المسلمين في العالم بعدد المسيحيين بحلول عام 2050، بمراعاة معدل الخصوبة، وعدد السكان الشباب وعنصر الهجرة. وسوف يتزايد انتشار الإسلام بمعدل ارتفاع من 23% العام 2010 م إلى 29% سنة 2050. وتتوقع تلك الدراسة انتشار الدين الإسلامي خلال الـ 40 سنة المقبلة بفضل كثافة عدد الشباب المسلمين، وارتفاع معدل الخصوبة لديهم، ليصل إلى 75%، وهو ما يمكن أن يجعل الديانة الإسلامية الأولى في العالم وفق حسابات الدراسة من سنة 2070.

التقسيم الحاد إلى مسلم وكافر
—————————

لقد وقعت هذه الجماعات في خلل التقسيم الحاد للناس إلى مسلم وكافر، وأعطت لنفسها الحق، بتحويل الخلق جميعهم إلى مسلمين، متناسين قول الله جلَّ وعلا في القرآن الكريم: “فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر”، “وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآَمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ” (يونس: 99)، و” لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغيّ “، تأكيداً على أن اختيار الدين هو فعل اختياري، وليس عملاً جبرياً، بما يتفق مع غاية الله من منح الإنسان عقلاً، به يفكر، وبه يقرر، وعليه وزر الاختيار غير الصائب، مقابل تمتعه بحرية الاختيار.

إن هذه المسلكية القاسية، التي تتبعها ما تسمى جماعات “السلفية الجهادوية”، تساهم بالتنفير من اتباع الدين الحق في مساحة أرض الله الواسعة، وتعمق صورة ذهنية رديئة للإسلام، فهو دين الرحمة والتسامح، الدين الذي تتجلى قوته في رحمته، ودعوته لإقامة مجتمع العدل والحق، والتواد والتراحم والدعوة إلى الله بالتي هي أحسن، أي الدعوة إلى دين الله بالحكمة، والموعظة الحسنة، والجدال بالتي هي أحسن، وتقديم المسلك الصالح، وليس بارتداء الأحزمة الملغمة والسيارات المفخخة.

حماية النفس مقصد الشريعة
—————————

إن الدين الحق يخسر كثيراً نتيجة تقديمه بهذه الصورة المرعبة، التي تتناسى أن من قتل نفساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ، أي بغير حق، فكأنما قتل الناس جميعا، ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا… لأن الحفاظ على النفس ورعايتها من مقاصد الشريعة المحكومة بميزان المصالح والمفاسد في العمل، لذلك ينبغي أن تتوقف تلك الجماعات الدموية عن القتل المتعدد الأنماط، حتى لا تضر الشريعة بمسلكياتها.

وعلى الباحثين أن يستولدوا توصيفا صائبا لها، ولا يضللوا الناس بنسبتها إلى السلف الصالح، ولا يخدعوا الجمهور بترسيخ المسمى المُضلل، لأن هؤلاء العنفويين الذين يرفعون رايات السلفية الجهادوية لا يَمتُّون إلى السلف الصالح بصلة.

“رأفت السويركي”

الجمعة، 4 مايو 2018

تفكيك العقل النخبوي العسكريتاري المصري العملياتي ( 90 ) سيناء... فتش عن الفئران، حاصرها، تصيدها واضربها في جحورها!!

تفكيك العقل النخبوي العسكريتاري المصري العملياتي ( 90 )



سيناء... فتش عن الفئران، حاصرها، تصيدها واضربها في جحورها!!


-----------------------------------------------------------



إعلام الجماعة البنائية المتأخونة يماثل في خطابه مكايدة الرعاع الشعبوية حين يغمز من جهود القوات المسلحة المصرية، وما وصلت إليه " العملية الشاملة سيناء 2018 "؛ في سياق توقع الكثيرين أن الذكرى السادسة والثلاثين لتحرير سيناء كانت خير مناسبة لإعلان إنجاز المهمة؛ وتقديم التمام للقيادة بانتهاء العملية؛ وتنظيف سيناء من الإرهاب المستصنع لتلبية سيناريوهات تدميرية محسوبة شاركت فيها الجماعة.

والبين من تفكيك منظومة خطاب الغمز المشبوه في نتائج الميدان؛ أنه يكشف عن حالة شعورية فجة غبية وفاضحة للانزعاج الهائل مما يحدث على الأرض في سيناء؛ تلك الحالة تنتجها الجماعة المتأخونة؛ وتختبئ خلفها الدول الإقليمية والأخرى المركزية الراعية للجماعة الأم الشرعية لعناصر وتنظيمات الإرهاب التكفيري والمتناسلة من رحمها؛ لذلك تقتل الجماعة البنائية نفسها لحرف الأنظار بإعلامها المكذوب عن قيم وحقيقة الانجاز العسكريتاري المصري المتحقق في مجمل الخريطة المصرية.


ويمكن رصد تلك الهستيريا للجماعة المتأخونة عبر تفكيك منهاجية اختلاق الأكاذيب؛ واستهلاك العبارات النمطية المماثلة لنوعية ما جربوا استخدامه من قبل في سوريا؛ مثل " حصار أهل سيناء "؛ و " تجويع السكان في العريش وشمال سيناء "؛ و " قصف منازل المواطنين " و " اعتقال الرافضين " منهم لما يسمونه " الانقلاب العسكريتاري " على الرئيس الشرعي الديموقراطي محمد مرسي وتنظيمه البنائي المريب!!



لذلك يأتي الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ليلخص في كلمته بمناسبة " العيد 36 لتحرير سيناء " الموقف الوطني الصحيح من الصورة التي تقوم الجماعة البنائية بالتشويش عليها، إذ يقول:



" لا يخفى عليكم، أن الأطماع في سيناء لم تنته، وأن التهديدات وإن تغيرت طبيعتها فإن خطورتها لم تقل، فها نحن نواجه منذ سنوات، هجمات شرسة من تنظيمات إرهابية، مدعومة وممولة من دول وجهات منظمة... شبكة كبيرة من التنظيمات الإرهابية استطاعت في السنوات الأخيرة، استغلال حالة الفوضى السياسية التي ضربت المنطقة، لتحتل أراضٍ واسعة في دول شقيقة، وزين لها الوهم أنها قادرة على فعل مثل ذلك في أرضنا الغالية ".



وهذه الكلمة التي تقوم بتوصيف الموقف الراهن بايجاز غير مفرط في ذكر التفاصيل؛ تعكس الثقة المطلقة في القدرات الوطنية التي لا تترك لهذه القوى الإرهابوية سوى التوهم الفاشل بقدراتها؛ وهو ما تثبته نتائج العملية الشاملة 2018، كما سيجري إيضاحه تاليا.




** إن التغيير النوعي في الفعل الإرهابوي الراهن يتطلب حسب العلوم العسكريتارية والاستراتيجاوية تغيرا في برامج المواجهة؛ وهذا ما حدث ويحدث في واقع المواجهة العملياتية بامتداد الإقليم السينائي؛ حيث يبتدع فكر الجندية المصري الاحترافي ما يناسب جغرافية الميدان؛ عبر إدراك "المقتضيات الطبوغرافية " وضروراتها؛ وبالتالي استخدام التكتيكات الخاصة المناسبة والمحكومة بفقه الحالة العسكريتارية.




** في سيناء لا يواجه الجيش المصري العظيم في الوقت الراهن جيشا نظاميا معاديا ببنيته وأسلحته التقليدية؛ فهو يمتلك خبرات عميقة بكيفية التعامل معها، وتنظيميا مستعد لهذه النوعية مهما كانت قدرات ذلك الجيش المعادي المؤللة؛ فقد انتصر على " الجيش الصهيوني " في العام 1973 م تتويجا لفعاليات " معارك الاستنزاف " بعد نكسة 1967م؛ واسترد سيناء عملياتيا.




وفضلا عن ذلك فقد كان يضع العقل العسكريتاري المصري الوطني في مجال رصده واستطلاعه ثغرات ما تسمى شروط " اتفاقية السلام "؛ والتي وفرت بيئة خطرة في المنطقة (ج )؛ إذ جرى تجهيز تلك المنطقة الرخوة أمنيا بالقبول (الاسرائيلي) لتثبيت التكوينات الإرهابوية بها؛ تجهيزا لمخطط " سيناريو الشرق الأوسط الجديد " كما اتضح لاحقا في مرحلة " تمكين الجماعة المتأخونة " من حكم مصر.




** وفي مواجهة تغير طبيعة وبنية العدو في سيناء من " جيش نظامي " إلى " عصابات  محدودة العديد وفردانية العتاد " لكنها مدعومة لوجستيا من الخارج؛ فقد كان لابد للعقلية العسكريتارية المصرية من وضع مخططات المواجهة المناسبة لهذا العدو جديد النوعية بعد دراسته: أولا بتجفيف مصادر إمداده؛ وثانيا بعزله عن التواصل الاستراتيجاوي مع الخارج؛ ما يصيب هذه العصابات باليأس، فتعاني ضغوط انتفاء الشعور بالانتصار المؤقت عقب كل عملية إرهابوية.




**  وتبدع العقلية العسكريتارية المصرية في صياغة استراتيجيات المواجهة؛ بعبقريتها العملياتيه في تكييف الفعل المناسب لجغرافيا الواقع الميداني؛ حيث لم تعد المواجهة تتم على الأراضي المنبسطة؛ لوجود متغير " الأنفاق الأرضية " التي تمرر كل ما يعقل وما لايعقل؛ وتتحول سراديبها الممتدة طوليا وحلزونيا إلى بيئة فندقية أسفل سطح الأرض؛ تختبئ داخلها العناصر الإرهابوية وتستريح، وتتشافى بها، وتختزن كل عتادها.




** وتخطو العقلية العسكريتارية المصرية خطوة مميزة عملياتيا، بإغراق الأنفاق المتجاوزة للحدود، والممتدة إلى الداخل الفلسطيني بتوظيف " فعاليات الدفع المائي "؛ وهكذا كما ابتكر المصريون تقنية " هدم خط بارليف " المنيع بخراطيم الماء برعوا في توظيف فعالية " إغراق الأنفاق " بالمياه؛ ليتحقق مزيد من العزل الميداني الأرضي المواكب للعزل البحري والجوي للعصابات الإرهابوية.




** وبعد إحكام طوق الحصار الدؤوب على فائض القوة العصاباتي المختبئ داخل الحيز السينائي؛ وهذه " قراءة تفكيكية للحالة في سيناء " لا تعتمد على أية مصدرية أو مرجعية رسمية؛ شرع العقل العسكريتاري المصري في استخدام ما يمكن تسميته " تكتيك اصطياد الفئران "؛ إذ يتم الرصد المعلوماتي الأرضي والجوي لمواقع الحركة والاختباء؛ ثم إحكام التطويق للمغارات والكهوف والحفر المموهة؛ وترتيب القيام باصطياد الجرذان التي تطل برؤوسها وهي تحاول الهروب من الحصار .




** وهذا النسق العملياتي المستخدم " ارصد الفئران وتصيدها " والمناسب لطبيعة ونوعية " العدو العصاباتي " وميدان المواجهة يجعل أمد العملية القتالية قد تمتد زمانيا أكثر من الحسابات التقديرية الأولية؛ التي حددت فترة " التكليف العملياتي " بإنجاز المهمة؛ لأن " الفئران " تختبئ في التجمعات السكانية؛ ولديها كذلك بنيتها الأساسية العميقة المستجلبة خبراتها من الخارج؛ وكذلك تنتشر متفرقة في رقعة واسعة من شبه جزيرة سيناء ذات الطبيعة المتعددة.   




**  غير أن النتائج البينة هي حجم الإنجاز العملياتي الكبير الذي حققه الجند المصري في مواجهته لفئران الإرهاب؛ ما أدى إلى تناقص حجم العمليات بدرجة ملفتة للغاية نتيجة تنفيذ تلك الاستراتيجية؛ وهذا ما أكسب جيش الوطن خبرات قتالية معاصرة جديدة، ترفع من درجة تراتبيته في قوائم الجيوش العالمية؛ وتضعها في المربعات المتقدمة جدا.




وفضلا عن ذلك فإن أسلحته النوعية؛ وخبراته الاختصاصية في " بحوث العلوم العسكرية " بأكاديمياته ومعاهده العلمية تهتم بحثيا بتطوير علوم وتقنيات وتكنولوجيات وفنون مواجهة الفعل الإرهابي؛ ودراسة ذهنيات وآداء " العصابات المتعسكرة " المغسول توصيفها السئ غربويا باسم " المقاتلين " وعقديا باسم " المجاهدين " . 




***** 




إن ما ذكره الرئيس عبد الفتاح السيسي في كلمة " عيد تحرير سيناء " يمثل مؤشرا دالا على النجاح العسكريتاري الذي تحقق بقوله: ( ... وبينما نستمر في مواجهتنا الشاملة للإرهاب، نسير في الوقت ذاته على طريق تنمية سيناء وزرع الخير في كافة أرجائها... فالمساهمة في الحرب على الإرهاب، ليست بالسلاح والقتال فقط، وإنما بالبناء والتنمية وتشييد المشروعات، وتوفير فرص العمل وتحقيق الآمال في مستقبل مشرق).




ولا معنى لهذه الكلمات سوى أن استراتيجية مواجهة عصابات الإرهاب في سيناء؛ والقائمة على منهج " تطويق وحصار الفئران واصطيادها " كما قرأتها قد حققت أغلبية أهدافها، وتكاد تعلن اختتام فعالياتها، لتسريع حركة " دولاب التنمية " في سيناء؛ في إطار استراتيجية اقتصادوية جديدة، بدأت جهود تحقيقها، وهي تحتاج إلى " اصطياد فئران الإرهاب " والقضاء عليهم؛ وهذا ما يكاد يكتمل تحققه.




                                                "رأفت السويركي"