الأحد، 12 فبراير 2017

تفكيك العقل النخبوي المصري المهيمن... "خطاب الندَّابَات النَّائِحَات"

تفكيك العقل النخبوي المصري المهيمن (17)

"خطاب الندَّابَات النَّائِحَات"
-----------------------------

 
الندابات والنائحات الفرعونيات، يضعن التراب على رؤوسهن ويرفعن أيديهن بالنواح


للتنويه:
هذه الكتابة التفكيكية نشرتها للمرة الأولى على جداري في "فيس بوك"؛ وخصصتها لخطاب النخب المصرية الإعلاموية في إطار سلسلة تفكيك خطاب العقل النخبوي في تجلياته المختلفة؛ وقد ذكرني بها "فيس بوك".
-------------------------------------

أحوال خطابات، وأداء عدد لا بأس به من النخب المصرية في الإعلام، يستجلب إلى الذاكرة في الوقت الراهن، صورة "النائحات" أو "الندَّابات". والنائحة الندَّابة، وفق قاموس المعاني، هي تلك المرأة التي تبكي الميِّتَ، وتذكُر خصالَه، وتُعدِّد صفاتِه.

وفي الأحياء المصرية الشعبية القديمة، لمن لا يتذكر، كانت هناك نساء مستأجرَات، يرتدين الملابس السوداء، ويذهبن إلى بيت أهل الميت، تقودهن إحداهن، ويتبعنها في الصراخ ولطم الخدود، وشق الجيوب أو الملابس، ويأخذن في الولولة، والنواح، مقابل أجر معلوم يحصلن عليه، إعلاناً وإعلاماً بالموت؛ ذلك الحدث الجلل.

ولعل جذور هذه الظاهرة "الندب واللطم"، تعود إلى الطقوس الشعبية المتناقلة، منذ مرحلة الدولة الفاطمية في حكم مصر، والتي نقلت طقوس الحزن المرتبطة باستشهاد الإمام الحسين سيد شباب أهل الجنة، حسب ما ذكر المؤرخ المصري تقي الدين أحمد بن علي المقريزي في كتابه " المواعظ والاعتبار في ذكر الخطط والآثار"؛ حيث يجتمع أهل النوح في الأزقة والأسواق، نائحين باكين.

وفي رواية أخرى فإن تلك العادة؛ ترجع إلى الأصول الفرعونية، وحسب المؤرخ الأغريقي "هيرودوت" فإن النساء عند موت الرجل، خاصة صاحب المركز الاجتماعي الكبير، كن يُلطّخن الرأسَ، أو الوجه بالتراب أو بالطين، ويتجولن في المدينة لاطمات، مشمرات عن أذرعهن، وكاشفات عن صدورهن، حسب التقاليد المحيطة بأدبيات "أسطورة أوزوريس". 

***** 

وانطلاقاً من منهج "التفكير من خارج الصندوق" الذي نستخدمه في هذه الكتابات التحليلية السياسية على "فيس بوك"، نرصد مسلكيات اللطم والندب للنخب المصرية، التي تحتويها صفحات الكثير من الصحف "غير الرسمية "، المملوكة من رجالات أعمال، يشكلون في أغلبيتهم صُلب الرأسمالية الطفيلية المصرية، والتي دخلت ساحة الإعلام، بصحف وقنوات فضائية، تشكل أدوات ضغط اجتماعية ناعمة على الدولة، ضمن الأسلحة الاحتياطية التي تتسلح بها الرأسمالية المصرية الطفيلية، وتمارس بها على أقل تقدير التلويح لأجهزة الدولة، بأن هناك من يترصد، ويمكن أن يصنع ضجيجاً وقتما يشاء المالك، بمن يوظفه من الإعلاميين.

*****

وأمام تردي مستوى الإعلام الرسمي المصري؛ صحفاً وتلفزيونات في العقود الأربعة الأخيرة، وافتقاد الدولة للرؤية الوطنية في التحديث والتنمية، ارتفع حضور الإعلام الخاص في السوق الإعلامية، عبر التوليفات "المُبَهّرَة" التي يلعب بها، مداعباً غرائز الجمهور الجمعي، وهي كثيرة، فازدادت أرقام التوزيع للصحف الورقية الخاصة، وارتفعت ساعات المشاهدة في القنوات الفضائية غير الرسمية، ليكتسب هذا الإعلام البديل مشروعية الاستئثار بالجمهور، والتحكم في تشكيل قناعاته، وتوجيهها وفق الأجندات الخاصة.

والعين المتفحصة لهذا الإعلام تحليلياً ونقدياً، ترصد مؤشرات غير مطمئنة، تجاه الأداء السياسي لذلك الإعلام، ما يترك انطباعاً بأنه قد يروج إلى مزيد من الإحباط الجماهيري الوطني في تلك المرحلة المفصلية، من تاريخ مصر المستهدفة وجوداً، من الداخل بعناصر الإرهاب النائم من التيارات العقدية المتسيسة، ومن الخارج المحيط بحدودها، والمتمثل في قوى الإرهاب الداعشي، المنقولة بحراً وجواً، من مناطق تجهيزها في العراق وسوريا وافغانستان... إلخ إلى ليبيا الدولة المتلاشية، فضلاً عن استهداف قدرات مصر الاستراتيجية في عمقها الأفريقي، وتحديداً فيما يرتبط بالمنبع الأساس لنهر النيل في أثيوبيا.

*****

ونتيجة الموات الحقيقي للإعلام الرسمي، ينفرد الإعلام الخاص في أغلبية طروحاته باستخدام تقنية اللطم والنواح، أكثر من فعالية الحكمة الهادئة، عند معالجة القضايا، عبر التحليل الموضوعي والمعلوماتي للمشكلات والظواهر والقضايا؛ بمعني أنه إعلام غير معلوماتي، بل إعلام عواطفي، يلعب مع الرائجة وبالرائجة، وتتجلى أبرز صور هذه النوعية الأدائية في برامج الـ "توك شو"؛ حتي ليشعر المراقب، بأن هذا الإعلام، لا يحقق سوى "التهييج الشعوري" لدى جمهور المتلقين، إذ يُحدث ضجيجاً حول الحدث اليومي "العادي"، أو يختلق حدثاً من واقعة محدودة، ويضخم في تفاصيلها، إلى حد جعلها واقعاً مخادعاً ضخماً.

والهدف المقصود والمسكوت عنه، من هذه الأسلوبية الإعلامية العشوائية، هو تجميع أكبر ساعات من المشاهدة أو أرقام المقروئية، ما يحقق غطاءات مالية كبيرة من الإعلانات المحلية، تمثل مزيداً من المدخول للمالك الرأسمالي المحلي، كما تتولى هذه القنوات والصحف أيضاً، الدعاية الإعلانية لمشروعاته ذات الربحية السريعة، من نمط صناعة "الكامباوند" بالمدن الإسكانية والعقارات، ومستلزماتها وتجمعاتها الداخلية، أو الترفيهية على السواحل، وفق قاعدة "زيتنا في دقيقنا"؛ أي تدوير الميزانيات الإعلانية المخصصة للترويج لمشروعاته في وسائل إعلامه الخاصة، بدلاً من دفعها في حملات إعلانية تستفيد بها قنوات وصحف أخرى تتبع ملاكاً أخرين، من الرأسماليات المحلية المتنافسة في السوق نفسها.

*****

لقد وقعت هذه النمطية الإعلامية في فخ غياب المنهج الموضوعي الضابط لأدائها وظيفتها الوطنية السامية، بتجاوز إغراء السخونة المفتعلة للحدث الوقتي، عبر الارتقاء إلى نهج الحكمة في التعامل؛ والحكمة تتطلب الهدوء بدلاً "التهييج"، وتقتضي تقديم المعلومة المؤكدة، قبل الاهتمام بعرض الحدث لمجرد العرض فقط، بمعزل عن تقديم صياغات معلوماتية، بمسببات هذا الحدث، وجذوره وروافد حدوثه الحقيقية، وتاريخية ظروفه العميقة، لتخرج العملية الإعلامية من نمطية التركيز على فعل الإعلام بإشهار الحدث إلى نمطية تعميق الفهم بتاريخية تحقق الحدث، ومصادر وظروف وآليات حدوثه، وكذلك سيناريوهات تطوره، مع إيضاح مناهج التعاطي مع هذا الحدث، لتبرير النتائج المتحققة نتيجة عرض الحدث ومتابعاته. 

*****

إن استهداف الدولة المصرية، وقيادتها، ومؤسستها العسكرية الوطنية، ومؤسستها الشرطية، يجري من الخارج إعلاميا، بوساطة الصحف والفضائيات الممولة من التنظيم العقدي المتسيس والمُزاح من السلطة، إما عبر نخب إعلامية مؤدلجة، تمت تربيتها داخل نسق نظام أسر التنظيم منذ حداثة سنها، أو من نخب أخرى انتهازية، لا تؤدي حتى الصلوات الخمس يومياً، وكلها تلوك عبارات مثل: الانقلاب، وثوار 25 يناير، والشرعية، ومسيرات رافضي الانقلاب، ومجلس نواب الانقلاب، وما شابه من عبارات تؤكد غيبوبة هؤلاء، وعدم إدراكهم لحقيقة تحولات موازين القوة في المجتمع المصري، والاجماع الشعبي الهائل من المصريين الملتفين حول جيشهم الوطني، ورجال شرطتهم في صورتهم الجديدة التي استوعبت دروس أحداث يناير ويونيو، وتدفع الفاتورة بمن يفقدون حياتهم من رجال المؤسستين في مواجهة الإرهاب.

إن هذا الجناح المعادي رسمياً للدولة المصرية، ومكونات سلطتها الحاكمة يُقدم خطاباً إعلامياً يائساً، مماثلاً لمسلكية النائحات الندَّابات، بالتباكي على ما تسمى ثورة يناير، وما يطلق عليهم لقب الثوار المسجونين، والرئيس الشرعي، وقتلى تقاطع رابعة والنهضة، والقول بعودة رجال الثورة المضادة وتمكنهم من الحكم من جديد،... إلخ، وكلها عبارات ندب ولطميات تمثيلية كذوب، ثبتت فجاجتها، في ضوء الموافقة الجماهيرية على الدستور الجديد، ومجيء رأس الدولة المصرية بالانتخابات، وتشكيل مجلس النواب بنزاهة مشهودة.

*****

والمؤسف أن النخب الإعلامية المحلية التي تمارس عملها داخل مصر، تمارس بأدائها العشوائي، من دون قصد في أغلب الأحوال، ما يصب في بركة ذلك العفن الإعلامي، التي تغذيها أكاذيب فضائيات وصحف الخارج المضادة للدولة المصرية.

وليس بعيدأ عن التذكر، ما تضخمت به الصحف الورقية، والمواقع الإلكترونية، وصفحات التواصل الاجتماعي، وشاشات الفضائيات، وبرامج الـ "توك شو" داخل مصر، سابقاً حول ضعف حجم الإقبال على انتخابات مجلس النواب، وطبيعة تشكيل مجلس النواب، وأداء الأعضاء، وأخطاء رئيس المجلس اللغوية، والسخرية من التقاط النواب لصور السيلفي داخل القاعة، وكذلك حكاية السجادة الحمراء التي تم وضعها على الأرض، حين افتتاح الرئيس عبد الفتاح السيسي للمشروعات الوطنية في مدينة السادس من اكتوبر، والتي ظهر فيما بعد أنها ليست سجادة، وإنما من فِراش مادة بلاستيكية تُعطي انطباعا بالسجادة... إلخ، من متابعات الفانتازيا الإعلامية، التي تترك انطباعاً سلبياً، يستهدف الجمهور المصري، الذي انحاز إلى سلطة الدولة الوطنية ومؤسسة جيشها الوطني.

وهذه النخب الإعلامية، تركز أغلبية ملاحظاتها، بما يستهدف صناعة صورة ذهنية سلبية، تجاه قمة سلطة الدولة المصرية، وتحديداً، الرئيس عبد الفتاح السيسي منذ تنصيبه في يونيو 2014:

- فمنهم في كتابته من يوحي بأن السيسي لا يعرف بأن الأوضاع في مصر ليست على ما يرام، وكأنه شخص غائب عن الواقع، ولا توجد لديه أجهزة معلوماتية عميقة، تقدم إليه تقاريرها الموثوقة.

- ومنهم من يُذكِّر الرئيس بأن العالم يتقدم فيما مصر تتدهور، وكأن الرئيس السيسي لا توضع أمامه يومياً تقارير تحليل الحالة، وتقارير تطورات الأوضاع الدولية، وما يقابلها من أوضاع محلية.

- ومنهم من يتحدث عن استشراء الفساد، وتمكنه من مفاصل الدولة، وكأن السيسي لا يعرف عن الظاهرة أكثر مما يعرفونه، ويعلم أن تغيير الأوضاع الداخلية، يحتاج مبضع الجراح الماهر، الذي يستأصل بحنكة، تشعبات سرطان فساد قرابة الأربعين عاماً؛ والذي تمكن من كل خلايا الدولة.

- ومنهم من يُعلي الصراخ من البيروقراطية، قائلا أنها لا تزال تُهيمن على الأمور في مصر، وكأن الرئيس شخص هابط من أحد كواكب المجموعة الشمسية الأخرى، ولا يعرف معنى البيروقراطية.

- ومنهم من يصرخ مرتعباً من العجز الفادح فى الموازنة العامة للدولة، وكأن السيسي، لا توضع أمامه المعلومات المالية الخاصة بالدولة،... والأمثال كثيرة من هذه النوعية، التي لو ذكرنا عناوينها لأتخمت صفحات مجلد كبير.

في حقيقة الأمر أن هذه الطريقة الكتابية، لا تخرج أيضاً عن كونها عبارات، أشبه باللافتات التي تحملها بعض التجمعات الجماهيرية الواقفة على درج نقابة الصحافيين المصرية، فضلاً عن أن أغلبية كتاب الأعمدة استمرأت مسلكية الندَّابات والنائحات القديمة، من دون تأسيس لوعي سياسي حقيقي بمشكلات الواقع المصري، فالمهارة ليست أن تذكر اسم المرض، ولكن البراعة أن تقدم تصوراً لعلاج المرض، وهي ليست معضلة، أمام النخبة الحقيقية غير الشكلية، فالمعلومات المؤكدة متاحة لمن يجتهد، وكذلك مصادرها، فالمنهج الفكري للنخبة المؤهلة، يُغنيها عن التهويم في توصيف الموصوف، أو كما يقولون : "فسَّر الماءَ بعدَ الجهدِ بالماءِ".

*****

لذلك على نُخَبِنَا الإعلامية، أن تعيد النظر إلى ذاتها، وتتفكر من جديد في تغيير نمط خطابها، حتى لا تُذكّرنا بما كانت تفعله الندَّابات والنائحات، المستأجرات لإحياء طقوس تلك المناسبة في البيوت المنتكبة بموت أحد أفرادها، كي يكون خطابها وطنياً رزيناً، يضع أمام عينيه خاصية الظروف التي تمر بها مصر الأن، والرهان على تماسك وبقاء ووجود الدولة.

                                                                             "رأفت السويركي"
تعليقات:


El Sayed El Swerky احسنت يأاخي رافت ..مقال أشعرني انك تعيش بيننا في مصر..تفاعل مع الواقع.


Raafat Alswerky حياكم الله شقيق الروح، مصر تعيش بداخلنا بناسها واحداثها، حماها الله واسعد كل ناسها.


Mostafa Rahma رائع جداً ، ويعجب به كل معني بالشأن المصري في رحلة البحث عن أحد أشكال الكتابة الأكاديمية ، هو بحث اللغة فيه مكنتك من أن تكتب أدب ، وغايتك سياسة ، المدخل خاصه الذي أستعرضت ظاهره لمسناها متأخرين نسبياً ، أحييك وإن كنت أتمناه منشور بمطبوعة رصينة ، برغم عدم وجود الرصانة بحياتنا الآن .

Raafat Alswerky الصديق الفنان التشكيلي المبدع Mostafa Rahma، يسعدني تقديرك الجميل لهذه الكتابة التي أتجه باْذن الله لمتابعتها في تقديم قراءة تفكيكية لعقل النخب حسب تنوعهم في عدة مقالات بغرض كشف تفكيرها، وباذن الله سأحاول نشرها مجمعة في إصدار خاص، كما نرحب بأية دعوة للمساهمة بنشرها وغيرها في مطبوعة مناسبة، لعلها تساهم في تحقيق هدفها. والشىء الملفت هو الصورتان المرفقتان على جدران حضارتنا الفرعونية، أنهما مذهلتان، بالحركة والالوان.

Firas O. Al Shaer لايسعني بعد هذه المقالة المحكمة الطويلة نسبيا إلا ان اذكربقول كا يردده الماغوط " إذا اردت أن تعرف ماذا في ايطاليا يجدر بك أن تعرف ماذا في البرازيل!!"


Raafat Alswerky إحالاتك كلها عميقة وبليغة يا صديقي البهي فراس، واعذرني في الاطالة في الحلقة لانها بمثابة تقديم لجهد تفكيكي لعقل النخبة في سلسلة مقالات لاحقة.


Firas O. Al Shaer سأتابعك أن شاء الله


Abd Elwahab Kattaya أحسنت أخي العزيز رأفت مرتين : مرة بأفكارك النيرة النافذة الواعية ، وأخرى باقتحام المجال الذي يحتشد فيه الغوغاء فيتعفف عن الاقتراب منه الشرفاء .. أقدم ونرجو أن يتبعك كل صاحب قلم وطني وقومي شريف !


Raafat Alswerky استاذي العلم والإعلامي الكبيرAbd Elwahab Kattaya ، حقا انه لمن المحزن ما وصلت اليه احوال الاعلام الرسمي المصري الذي كان سيد الساحة العربية ومعلمها وطليعة التنوير الوطني، ولا اعرف لماذا لا تندفع الدولة مرة اخرى للاستفادة من خبرات عناصر طليعة الاعلام الوطني العربي، وأنتم احد ابرز أساساتها وإسهاماتكم جليلة في الاعلام المرئي والمسموع في الحبيبة دولة الامارات، لماذا لاتشكلون نبع الروءية الاعلامية الجديدة للدولة في هذه المرحلة المفصلية مرة اخرى لكي يسترد إعلام كل المصريين روحه المفقودة، بدل التشتت لمشاهدة اللطميات الليلية على الفضائيات، وإنني ارفع صوتي بالمناسبة لان يقوم اتحاد الإذاعة والتلفزيون بجمع جيل الرواد من جديد، لكي يعيدوا له هويته المفقودة وقوته المسحولة امام الفضاءيات الخاصة، فمن يسمع النداء.


Ibrahim Henetar قرأت المقال بشغف بالغ فهو رؤية عميقة وتحليلية لحال الاعلام المصرى بكل سوءاته واحسدك على متابعتك اللصيقة لهذا السخام ( عن نفسى لا ارى من التليفزيون الا الافلام التسجيلية وانا اتابع الاخبار من خلال الانترنت وانقطعت صلتى بالصحف الورقية حتى التى تنشر احيانا رسومى فهى لا تحتوى سوى اخبار وآراء بايتة و مضللة ومضللة بكسر اللام وفتحها ) اعجبنى جدا الربط بين جدارية النائحات الفرعونية والطقوس الشيعية بما يجرى فى الساحة الاعلامية اضف لذلك الدجل والشعوذة والسخافة وقلة الادب والتطاول وكلها امور منيلة بنيلة وعلى فكرة الصبغ بالنيلة ايضا طقس فرعونى وهو صباغة الملابس بالنيلة الزرقاء حدادا على الموتى وظل هذا الفعل يمارس حتى وقت قريب نسبيا مثل موضوع الندب والندابات....احييك على مقالك وفى انتظار اللاحق منها


Raafat Alswerky صديقي الغالي الفنان الجميل ابراهيم حنيطر أسعدني تفاعلك الكريم جداً، ونحن معك في الموقف نفسه، ونتمنى ان تتعدل اوضاع ومواقف النخب الاعلامية المصرية ليضعوا الدولة المستهدفة في عيونهم، واشكرك لمعلومة صبغة النيلة وجذورها الفرعونية، وموعدنا الكتابة التالية من محاولة تفكيك عقل النخب المصرية.


إسلام محمد حسن صديق لا فض فوك ولا جف حبر قلمك الزاهي ودمت ملهما لحب اوطاننا

Raafat Alswerky اجمل تحياتي الصديق البهي اسلام محمد حسن صديق، أسعدني مرورك الجميل، وحمى الله اوطاننا من المتربصين.


إسلام محمد حسن صديق أنت انسان وطنى اصيل وانا فخور بك كثيرا وبصداقتك ، دمت في حفظ البارى

المصطفى المصدوقي الصديق الاستاذ و الشاعر رافت السويركي مقاربة طريفة و رائعة تلك التي عقدتها بين ظاهرة "الندب واللطم" و النخية الاعلامية..دائما متالق عزيزي.

Raafat Alswerky الغالي والصديق البهي المصطفى المصدوقي، يبدو انها ايضا حالة عربية ممتدة، طالما انها لا تنطلق من ارضية فكرية ممنهجة. وحقا أسعدني حضورك العزيز .

يحيى اللزامي استاذي رأفت لقد رصدت وحللت وفككت الصور المتشابكة والمعقدة فاجدت وابدعت

Raafat Alswerky صديقي الودود الاستاذ يحيى اللزامي، دوما تغرقني بفيض شعورك الجميل، سعدت برأيك البليغ، ولَك محبتي.


Etidal Osman مقال تفكيكي ممتاز .. يكشف الداء ويصف الدواء.


Etidal Osman تأمل لوحة النائحات الفرعونية دال على التناسق والنظام البديع في الحركة والتوجه واللون والخطوط ودقة التنفيذ لتحقيق الهدف، وهو هنا التعبير عن حالة شعورية جماعية، لها طقوس وتقاليد وأعراف راسخة، ومتبعة، ومحترمة لدى أصحاب الشأن في ذلك الزمن للإعلام بالحدث، وتسجيله مرئيا بموضوعية، وانضباط، وفنية عالية.
ذلك دال على مساحة معتبرة من الوعي المجتمعي المشترك، يتفق عليه أهل البلاد، سواء من النخبة أو المهنيين أو عامة الناس في مختلف مجالات الحياة.
هذا ما نفتقده الآن في المجال العام حيث تسود العشوائية ويختلط الحابل بالنابل، كما يقال، فالإعلام العشوائي وفقا للمصالح الضيقة، ليس سوى الانعكاس المباشر للعشوائيات السكنية، والعشوائية في نظام التعليم، وغيره.
لذلك تظهر ضرورة مساندة الجهود البناءة التي تبذل الآن للوصول إلى القاسم المشترك الأعظم الذي يجتمع حوله المصريون، وهو إعادة بناء الدولة العصرية، وتأسيس وعي مجتمعي ناضج، يحافظ على وحدة البلاد، وينعكس إيجابيا على حياة الناس.
شكرًا أستاذ رأفت السويركي على هذا الحوار التفكيكي من أجل إعادة البناء على أساس سليم.


Raafat Alswerky أستاذتي الدكتورة اعتدال عثمان أسعدني جداً التحليل العلمي الراقي الذي تفضلت به للوحة النائحات الفرعونية، والتي كنت استعنت بها في مقالي للتدليل على جذور الظاهرة، التي كانت جزءا أصيلا صادقا من السلوك الجمعي المصري كما أوضحت في كتابتك، وهذا السلوك الجمعي جرى تزييفه في زماننا هذا الممتلىء بالمتصورات الهامشية والمجنسة كذبا في الواقع. حقا سعدت بهذه الإضافة العلمية، وأدامكم الله.


ناصر عراق أتفق معك تماما فيما ذهبت إليه من تحليل صائب ودقيق لأحوال النواح الإعلامي الذي تفوح رائحته بصورة مزعجة. شكرا جزيلا أستاذ رأفت على هذه الوجبة المعرفية العقلية الدسمة... بوركت.


Raafat Alswerky أثابك الله الخير كله، وحماك وحمى مصرنا الحبيبة، وهدى زملاءنا الرشاد ليكونوا سندا لوطنهم في هذه الظروف التاريخية الحرجة، ولَك محبتي.
---------------------------------



الجمعة، 10 فبراير 2017

تفكيك العقل النخبوي السياسوي "فوق الوطني" (59) "يَمُوتُ الزَّمَّار وأصابِعُه بِتِلْعَبْ"... محمد البرادعي نموذجاً!!

تفكيك العقل النخبوي السياسوي "فوق الوطني" (59)

"يَمُوتُ الزَّمَّار وأصابِعُه بِتِلْعَبْ"... محمد البرادعي نموذجاً!!
------------------------------------------

يفرض نفسه على الذهن... المثال الدارج في اللهجة المصرية بمنطوقه: " يِمُوتِ الزَّمَّارْ وِصَوَابْعُهْ بِتِلْعَبْ" خلال متابعة حلقات الحوار التلفزيوني مع الدكتور محمد البرادعي عبر القناة القطرية "العربي"؛ والذي تواصل ضمن سياق سيناريوهات تَوَهُّم "صناعة الأزمة للدولة المصرية"؛ التي كان يُرتَبْ لها توافقاً مع ما يُسمى ذكرى "ثورة يناير".


  
الإعلان عن سلسلة الحوارات الخمسة مع محمد البرادعي على قناة العربي القطرية.
 
*****

وقبل البدء في ممارسة "القراءة التفكيكية" لخطاب الدكتور محمد البرادعي، وكشف "المسكوت عنه" الكامن في سياقات ذلك الخطاب؛ من الأهمية التأكيد على مجموعة من الإشارات:

- إن محمد البرادعي... يمكن توصيفه بأنه شخصية تنتمي إلى نهج "ما فوق الوطنية"؛ إذ لا يزال يعيش مُرتدياً جلباب الموظف الدولي، منذ أن تم اختياره مديراً لــ "الوكالة الدولية للطاقة الذرية"؛ وحصل على "جائزة نوبل للسلام"؛ وهي جائزةٌ معايير اختياراتها سياسية؛ ويفوز بها الشخص الذي أدى أدواراً سياسوية محددة. لذلك دخل البرادعي إلى "المسألة المصرية" من المنظور "ما فوق الوطني"؛ لتنفيذ أجندة مُتغلِّبة وقتذاك؛ ومحكوم سياقها بتصور "الشرق الأوسط الجديد"!!

- إن البرادعي بعد تجربته السياسية الفاشلة فشلا ذريعا في مصر؛ يدرك إدراكاً لا حدود له بأن "الدولة المصرية" تمتلك قدرتها على تأكيد التماسك الوجودي؛ بفضل قوة حضور مؤسستها الوطنية العسكرية والتفاف جموع الملايين حولها؛ والتي لم تَغِبْ مطلقاً عن المطبخ السياسي المصري منذ دُفِعَ حسني مبارك للتنحي؛ ومحمد مرسي للعزل؛ وقد أدارت اللُّعبة السياسية بمهارة تكتيكية؛ محكومة بمسؤوليتها الوطنية الاستراتيجية عن الأمن الوجودي لمصر، وضمان أمان ملايينها التسعين.

- إن البرادعي يُكثِّف في تلك المرحلة ظهورَهُ الإعلامي، بعد أن سارت الأمور في الواقع المصري على غير ما كان يرجوه؛ وتجاوزت السيناريو الذي أُعيد شخصياً إلى مصر من أجله وقت أحداث يناير؛ وقد غادرها بعد ذلك على عجل... بعد أن أدرك ثوابت وحقائق الواقع المصري التي لا تقبل التلاعب!!

- لذلك ارتضى محمد البرادعي مؤخرا ممارسة لعبته التلفزيونية تلك بدافع نَفْعِي مادي؛ حدده حجم المقابل المالي الذي حصل عليه... على الرغم من نفي قناة "العربي" تقاضيه أية مبالغ مقابل الحلقات الخمس؛ ولكن المعروف حسب تقاليد نجوم العمل السياسي الغربي أنهم حين تنتهي خدماتهم، ويخرجون من أقبية السلطة التي كانوا يعملون بها؛ يتفرغون لإلقاء المحاضرات؛ وأحياناً حمل الرسائل ذات الطبيعة الخاصة؛ وحضور المناسبات الاجتماعية كنجوم مجتمع!


 
الحوارات كشفت طبيعة شخصية الموظف الدولي فوق الوطني.

وخلاصة هذه الإشارات أن محمد البرادعي على يقين بأنه يلعب راهنا في غير وقته بهذا الظهور المماثل لما ينقشه على موقع "تويتر"؛ والذي يجد صداه فقط لدى أبناء المرحلة السنية الصغيرة؛ المرتبكة الوعي في العوالم الافتراضية؛ خاصة وأنه يشعر في فضاءاتها بالكاريزما الجماهيرية المفقودة والتي يبحث عنها.

*****

إن القراءة التفكيكية التالية تكشف الكثير من "المسكوت عنه" المخبوء في ثنايا حوار محمد البرادعي ببرنامج "وفي رواية أخرى"؛ فماذا أخفى في متون حواره؟!

** دعا البرادعي إلى ما أسماها "مُصالحة وطنية شاملة"، لإيجاد وسيلة لتعايش "كافة قوى المجتمع المصري"، مؤكداً" لابد أن نراجع أنفسنا ونفهم أنه ولا أنا هاقضي على الآخر ولا الآخر هيقضي عليا، وهنستمر في عملية اقتتال، والجميع هيخسر".!!

والذي يحاول البرادعي أن يختلقه هنا أن الوضع السياسي في مصر من منظوره قابل لنشوء الصراع الدموي عبر الميليشيات التي ستشكلها قوى المجتمع المصري للاقتتال؛ كاشفاً بذلك عن طبيعة "سيناريو الشرق الأوسط الجديد" الكامن في ذهنه؛ الذي جرى تطبيقه في ليبيا وسوريا والعراق، ومنح البرادعي بسببه الرئيس الأميركي بوش مبررات مشروعية تدمير الجيش الوطني العراقي بالغزو؛ وزراعة بذرة تفتيت دولته.

 
  البرادعي يروج لتوصيف مضلل لطبيعة القوى الاجتماعية في مصر.

** والمثير في الأمر أن يُقدم البرادعي هنا توصيفاً عجيبا بما أسماها "قوى المجتمع المصري" حين حددها بالفئات الأربع المُكونة للمجتمع، وهي: "أجزاء النظام القديم، والشباب والقوى المدنية، والقوى الإسلامية، والمؤسسة الأمنية أو القوات المسلحة. أي حسب توصيفه "كل القوى التي تولت إدارة الدولة من 2010، عليهم أن يجدوا وسيلة للتعايش مع بعضهم زي كل الناس".!!

- ويشعر العقل التفكيكي هنا بتهافت محمد البرادعي في توصيفه ذلك وتوظيفه لمفهوم القوى الاجتماعية؛ حيث يُغيِّب عمداً المفاهيم العلمية المتعارف عليها عند تحديد معنى القوى الاجتماعية، فما معنى اصطلاح "أجزاء النظام القديم" وما تقويمها اجتماعياً؟ وما معنى التعميم بدمج الشباب مع ما أسماها القوى المدنية؟ وما دلالة اصطلاح القوى الإسلامية لديه؟ إن البرادعي يتعمد الخلط المفاهيمي لصناعة صورة معينة افتراضية تحتمها سيناريوهات افتعال الأزمات.

- إذا كانت ما تُسمى جماعة "الإخوان المسلمين" لها ميليشياتها عبر التنظيم الخاص؛ وامتداداتها في الفصائل العقدية الأخرى؛ فهل لإجزاء "النظام القديم" ميليشياتها في المجتمع المصري؟ وهل أيضاً لعموم الشباب المصري ميليشيات ستقتتل لاحقاً؟ والأمر نفسه ينطبق على ما أسماها القوى المدنية؟ فهل ستكون كلُّها إذا لم تحدث المُصالحة التي يروج لها البرادعي في مواجهة قتالية مع بعضها أو مع"المؤسسة الأمنية أو القوات المسلحة"؟!


 
 البرادعي في حواره لا يتخلص من سيناريو القتال لتفتييت دول المنطقة.

 - إن البرادعي مع هذا الخلط المفاهيمي الذي يخترعه... يُمهِّد لما يُسمى "صناعة سيناريو حالة الفوضى"؛ متغافلاً عن حقائق الواقع المصري السياسية والاجتماعية؛ في وجود دولة متماسكة الأليات الدفاعية بأجهزتها؛ وتمارس راهناً العمل التنموي والدفاعي معاً، ولها تجربتها النيابية؛ وحظيت باعتراف إجماع المجتمع الدولي كله عدا النظام العثمانلي المتأخون وبعض التابعين؛ الذين أحبطهم إفشال سيناريو التدمير بوساطة القوات المسلحة المصرية!

** البرادعي يمتلك قناعة متوهمة بأن كل الأطراف ستخسر بسبب ما افترضه وأسماه "الاقتتال الأهلي" في مصر؛ ويقول: "مين كسبان في ليبيا النهاردة؟ مين كسبان في سوريا؟ في اليمن؟ كله خسران، مقدرش أقول حد كسبان. النهاردة لو رجعت سوريا هتبقى رجعت ايه؟".

 
 يبرر دوره في تدمير العراق بعبارة ينسبها الى مبارك ولم يقم بالتيقن من صدقها!

ومن العًجَبِ العُجَاب أن يستخدم البرادعي هنا "القياس الفاسد"... لوضع المتلقي لإجاباته في حالة القبول بهرطقاته السياسية المتمثلة في استنتاج أن الدولة المصرية ينتظرها ما جرى في سوريا وليبيا واليمن؛ إذا لم تستمع لنصيحته التي أسماها تحقيق "المُصالحة الوطنية الشاملة". ويقوم هذا "القياس الفاسد" للبرادعي هنا على تجاهل الاختلاف الجيوسياسي بين مصر وكل حالة ذكرها؛ وخصوصية وفعالية حضور القوة الضابطة المصرية؛ وطبيعة تماسك النسيج الوطني المصري.

** ويسفر البرادعي عن وجهه السياسوي العشوائي بقوله: "الثورة لم تحكم ولا أهدافها تحققت، حتى لما قلنا مش مهم نحكم ونسيب المجلس العسكري يحكم ويبدأ تحقيق أهداف الثورة لم يحدث، ولا مع الرئيس مرسي حصل، ومازلنا نشهد غياب الحرية عندما نجد الشباب في السجون نتيجة قوانين قمعية، وأشخاص أعرفهم شخصيا يختفوا قسرياً".

- إن لغة العجز التي يكشفها البرادعي في حواره التلفزيوني؛ تؤكد أنه يمثل أكذوبة في حقل القيادة... والتي يفترض أنه تقدم لحمل أعبائها بقوله " حتى لما قلنا مش مهم نحكم ونسيب المجلس العسكري يحكم، ولا مع الرئيس مرسي حصل..."؛ وهذا يعني فقدانه للمهارة السياسية؛ فهل يمكن للقائد المحنك أن يعتمد فقط على النوايا في العمل السياسي هكذا? وكيف لم يقرأ بوعي طبيعة الدور الوطني للمجلس العسكري أيام "فوضى يناير"؛ وكيف وقع في فخ التغرير به من الرئيس المتأخون المعزول محمد مرسي؟!!

- يمارس البرادعي اللُّعبة القولية التحريضية؛ ويقوم بتزييف الوعي عمدا بمسميات الوقائع؛ حين يتحدث عن وجود "الشباب في السجون... وأشخاص يختفوا قسرياً "؛ متغافلاً عن أن عمليات السَّجْنَ تمت بأحكام قضائية؛ نتيجة قيام هؤلاء بكسر القوانين التي وصفها بالقمعية؛ وفضلاً عن ذلك والذي يثبت تهافت ادِّعاءاته إنه لم يمتلك الشجاعة لإحراج الدولة المصرية بذكر أسماء هؤلاء الأشخاص الوهميين الذين يعرفهم شخصياً وادعى أنهم اختفوا قسرياً!!

 
 موقع "ساسة بوست" يفضح "بهلوانية" محمد البرادعي
 في ابرز عشرة تصريحات سياسية تتعلق بالجيش الوطني المصري.

** ويواصل البرادعي كشف تداعي خطابه بقوله: " المجلس العسكري واضح إن له رؤية مختلفة للثورة، وتدريبهم وفهمهم للحياة المدنية فهم مختلف"! فمفهوم البرادعي الشعبوي الشخصي هو:"أصحى الصبح أتكلم محدش يحبسني، أقدر أغيره لو عايز، أقدر أكل واشرب".!!

ومن دون شك فإن هذه العبارات تكشف حجم تدليس البرادعي سياسياً؛ فقد اكتشف مؤخرا ما اكتشفه حول طبيعة الرؤية العسكرية المختلفة للثورة، واختلاف فهم العسكريين للحياة المدنية... فهل هناك رجل سياسة متمرس خبير كالبرادعي لا يُدرك طبيعة الضوابط العسكرية حين تتولى الحفاظ على أمن ووجود وطن؛ في منطقة مضطربة تتجه بالسيناريوهات للتفتت!!

كان ينبغي أن يبرز البرادعي حنكة وذكاء سياسوياً؛ على الأقل لكي يبدو محايدا... بالحديث الاحترافي حول مبررات المؤسسة الوطنية العسكرية لما قامت به، وبما لا يتصادم مع صورتها الوطنية، ولا يشيع صورة مغلوطة حولها؛ ولكنه في الحقيقة يقول بطريقة أخرى فاضحة "يسقط حكم العسكر" من أجل تعميم الفوضى التي عاد من أجلها!!

** والملفت للانتباه كذلك طبيعة لغة البرادعي المستخدمة في حواراته؛ حيث يفتعل العاطفية بقوله: "بتكلم النهاردة لأن دي بلدي وصعبانة عليا وضعها، وصعبان عليا الشباب اللي قاموا بالثورة ...". وأضاف: "الثورة بدأت بحلم، واليوم الشعب يعيش على الخوف من عدم توافر الغذاء، والدواء".

وبتجاوز تلك العاطفية المدَّعاة في لغة البرادعي، والتي كشفت تسريبات صوتية كان يقوم فيها بسب ولعن الجميع أكاذيبها ينبغي عدم تجاهل عبارته:" اليوم الشعب يعيش على الخوف من عدم توافر الغذاء، والدواء..."؛ إنه هنا يقوم بالعزف التحريضي مستغلاً تطوراً طارئاً يرتبط بتحرير سعر العملة؛ ويحدث ارتباكاً معلوماً تتوقعه كل الدراسات الاقتصادية؛ مع الإحاطة بوجود فعل غير مشروع لعناصر مرتبطة بمسلكية "الرأسمالية التجارية الطفيلية المهيمنة" والتي توحشت في مرحلة حسني مبارك وتسعى دوماً لتعظيم الربحية.

إن البرادعي كان يصر على تأطير الصورة المصرية باللون القاتم الظلام؛ فلم يتحدث أو يتطرق في الوقت نفسه لما تتم إقامته في الواقع المصري من مشروعات البنية الأساسية الكبيرة؛ ومخططات الأقاليم والمناطق الاقتصادية الساعية لتوفير فرص للعمالة الكثيفة؛ لذلك ظل يلعب محرضاً بالحديث عن الغذاء والدواء!!

** ويكشف البرادعي في الحوارات عن جانب من صورته المسكوت عنها عندما أجاب على سؤال حول إجرائه عملية نقد ذاتي فيقول: "حقيقةُ ومش عايز يبان نوع من الغرور أنا مشفتش خطأ، وأكيد فيه حاجات رفيعة كتيرة لكن خطأ جوهري مفيش، ويمكن كان لازم قبل الثورة نكون اتفقنا على ما سنفعله في اليوم التالي، هيكون شكل يوم رحيل مبارك ايه خطتنا، لكن الثورة سبقتنا، فده الخطأ الجوهري أننا مكناش مستعدين"!!

وهنا يتعالى محمد البرادعي بتنزيه "الأنا المقدسة" لديه عن الاعتراف بالخطأ الذي قاده إلى مغادرة مقعد نائب الرئيس في خلط للأوراق أيام فض انفلات رابعة المتأخون؛ ويكشف فقدانه حاسة القيادة بقوله " الثورة سبقتنا، الخطأ الجوهري أننا مكناش مستعدين"!!!... فهل هناك قائد متميز ومتمرس عاد ليقود الجماهير والدولة يمكن أن يعلن عدم استعداده للثورة؟! إنه في الحقيقة كان موظفاً دولياً جاء لتنفيذ سيناريو في مصر، ولدى فشله والحمد لله غادر مصر!

*****

إن تفكيك الحلقات الخمس لحوار محمد البرادعي مع قناة "العربي" يمكن أن يكشف المزيد والمزيد من السوءات السياسوية لهذا الرجل؛ الذي يحاول التلبيس على المجتمع المصري عبر هذا الحوار كما يلي:

** إنه يحاول إعادة الحياة لما تسمى جماعة الأخوان المسلمين، على الرغم من كل الموبقات التي ارتكبتها تاريخيا؛ ويكسبها وزنا أكبر من وزنها الحقيقي، وقد فقدته بتوصيفها جماعة إرهابية طمعا في إعادتها من جديد إلى الحياة السياسية المصرية!

** إنه يحاول أن يصنع وزنا سياسويا ثقيلا لما أسماها القوى المدنية؛ فيما هي تكوينات فردية في أغلبيتها هزيلة الحضور الاجتماعي في الساحة المصرية.

** إنه يلعب كعادة الكثيرين بعواطف أبناء المرحلة السنية الشابة ذات الأغلبية في مصر، ويداهنها من دون أن يكون له تصور موضوعي لكيفية تنمية هذه الكتلة الاجتماعية الكبيرة وكيفية حل مشكلاتها الوجودية.

** إنه يحاول أن يزرع شكوكا في المؤسستين الوطنيتين العسكرية والأمنية؛ ويضعهما في موقع الخصم المضاد لبقية مكونات الوطن؛ ويروج لافتراض تواجد صراعات وهمية معهما؛ فيما هما المؤسستان المسؤولتان عن أمن هذا الوطن وجماهيره. 

*****

 
 نوبل للسلام تمنح لشخصيات أدت ادوارا محددة محل التامل والريبة، وقد فاز بها البرادعي كذلك.

إن إصرار محمد البرادعي على مواصلة الحضور فيما يتعلق بالمسألة المصرية على الرغم من فشله الذريع سابقاً يدل على صدق المثل المصري: " يموت الزمَّار وصوابعه بتلعب"؛ فالبرادعي لم يكتف كزمَّار بالهروب من الساحة المصرية منهياً دوره السياسوي بنفسه؛ لكنه يواصل اللعب بأصابعه في الكتابة التحريضية على "تويتر"؛ وقد توَّجَها بحوارات برنامج "وفي رواية أخرى"؛ ليقدم في الحقيقة "الصورة الأخرى الحقيقية للبرادعي"... بكل ما بها من ارتباكات؛ وتهافت منطق؛ وعشوائية وفقدان حنكة؛ وحضور مشتت لموظف دولي "فوق وطني"؛ حاول ركوب "عربة الفوضى" ليس أكثر!! 


                                                                                "رأفت السويركي"

-------------------------------

الثلاثاء، 7 فبراير 2017

حَادِثُ مَصْرعِ ذُبَابَة! --------------- شعر: "رأفت السويركي"

حَادِثُ مَصْرعِ ذُبَابَة!
 
---------------

    شعر: "رأفت السويركي"


" القصيدة كتبت بتاريخ 1978، ونشرت في ديوان "بحثاً عن النهر"، وتجسد لحظة القبض على الشعرية في تجربة مشاهدة قد تكون هامشية، لكنها عامرة بالمعاني الوجودية العميقة، التي يمكن أن يستخلصها الإنسان حتى من أتفه المواقف العابرة، جسدها حادث سقوط ذبابة في كوب من الشاي بعد الفراغ من شربه، لكن الموقف كان يمثل فرصة للتأمل الذاتي، في مدلول الجوع، وسعي المخلوق في جنبات الارض، وترتيبات القدر، والموت". 
 
-------------------

عَبَرَتْ بِجَنَاحَيْ حَدَأةْ

وَتَرَبُّصِ صَقْرٍ... في هَدْأَةْ

أَلْقَتْ طَرْفَاً،

وَاحْتَبَسَتْ طَرْفَاً،

وَتَفَرَّسَتِ الْعَيْنَانِ... ملِيَّاً،

فِي دَوَرَانِ اللّحْظَةِ، 

عَلَّ الْوَقَتُ يَلُوحُ لَهَا،

شُرْفَةَ زَقُّوْمٍ وَعَسَلْ

*****

دَارَتْ دَوْرَةْ

وَالْوَقْتُ مَدَارْ

وَرَمَتْ مِنْ مُقْلَتِهَا
خَيْطَاً، مَشْبُوْبَاً بِالْعَطَشِ الْأَبَدِيْ

يَتَلَكَّأُ فِي كَسَلٍ... لَهَفَاً،

بَحْثَاً عَمَّا يَتَوَارَى

فِي الْجَنَبَاتِ، وَفَوْقَ الْجُدْرَانِ الْمَصْقُوْلَةْ

لَمَحَتْ نَهْرَاً،  

وَالشَّوْقُ إلَى السِّرِ الْمَخْبُوْءِ

يُنَادِيْهَا،

حَطَّتْ زُلْفَى، 

رَشَفَتْ عُنْقُوُدَ الرَّجْفَةْ، 

وَالْوَهْمُ يُغَنِّي

مَدَّتْ طَرَفَاً،

يَمْسَحُ طَرَفَاً، 

وَالْوَهْمُ يُغَنِّي

دَارَتْ دَوْرَةْ،

كَانَ الْعَسَلُ الزَّقُوُمُ يُمَنْيِّهَا،

فِي اللَّحَظَةِ يَسْرِقُهَا،

فِي الْمَرَّةِ... أَلْفَيْ مَرَّةْ

*****

عَلِقَتْ قَدَمَاهَا،

فَارْتَعَشَتْ، وَهَوَتْ

غَاصَتْ فِي الْقَاعِ عَلَامَةْ

لا تَسْأَلُهًا الْكَأْسُ، صُكُوْكَ إِقَامَةْ

وَغَدَتْ عُنْوَانَاً

فِي صُنْدُوْقِ قِمَامَةْ
                
-----------------------------------------

السبت، 4 فبراير 2017

بعد الفتوى الداعشية الألمعية يامن تأكل "الآيس كريم"... فتش عن أمك البقرة!!

بعد الفتوى الداعشية الألمعية

يامن تأكل "الآيس كريم"... فتش عن أمك البقرة!!
------------------------------------

هل نحن نعيش لعنة عوالم التواصل الاجتماعي في ذروتها؟ سوءال صار يهيمن على تفكيري بقسوة، وهذه الوسائط تلقي علينا بغثها ليل نهار وعلى مدار الثواني، وتحاصر عقولنا صغارا وكبارا، حيث امتطى الفكر ما قبل الجاهلي ظهور هذه الأدوات الاتصالية التي تمثل أرقي ما أنتجه العقل البشري، وجعلها حمارة عرجاء يوزع من فوق ظهرها جهله وتخلفه العقلي، ليصيب بها من يصيب.


 وكنت كتبت من قبل حول ما أسميتها "فتوى جاهلية" تُحرِّم تعاطي الآيس كريم، والغريب انني وجدت انتشارا عجيبا لهذه الفتوى على " فيس بوك" ، يتناقلها الكثيرون بغرابتها، ما يقتضي اعادة التذكير بتلك الكتابة، التي جاء فيها:
------------

 
 

من المؤكد أن كلاً منا ينبغي أن يكد، ويجتهد، ويلهث، ولا يعرف الكلل، سعياً لمعرفة من هي أمه بالرضاعة، أو من هي تلك البقرة التي تعاطيت لبنها، كلما التهمت بشغف واستمتاع قوالب الآيس كريم، فهذه المادة المثلجة اللذيذة، التي يقع الملايين في عموم الكرة الأرضية في غرامها، ويدفعون الكثير والكثير، من أجل الحصول عليها، تخفي أكوابها التي امتلأت بها بطوننا، مشكلة فقهية عويصة كانت قديمة لكن أعيد إحياؤها في القرن الحادي والعشرين لتصبح فتوى معاصرة لنا عبر ماكينات الإفتاء "الداعشية".

فهذا الآيس كريم اللذيذ بالشيكولاتة، وذا بالفراولة، وذلك بالليمون، وذاك بالفانيلا، و ...، و ...، إلخ، كلها كؤوس مثلجات ممتعة، لكنها تجعلنا الآن ينبغي أن نشك في أنسابنا، ونسأل عن صلاحية زواجنا، وروابط القرابة مع أخوة لنا لا نعرفهم، لا تعجبوا، ولا تستنكروا، بل انزعجوا، وعلى كل منكم، أن يتذكر ويسأل: كم مرة تعاطى مادة الآيس كريم، يا أحبة، ليحسب عدد الأبقار التي التهم حليبها مثلجاً في صورة الآيس كريم!

محظورات تعاطي الأيس كريم
----------------------


المدهش والمذهل، والمخزي والمثير للغثيان في الوقت ذاته، هو ما يروج على مواقع التواصل الاجتماعي الآن من "بوستات"، تحذرنا من تعاطي الآيس كريم، حتى لا تختل شبكات أنسابنا، وتختلط جيناتنا، وتضيع شجرة عائلة كل منا، ويهبط التحريم علينا من اليمين واليسار، والشمال والجنوب، ومن أسفل وأعلى، حيث ظهرت فتوى "داعشية" مبهرة، ومخيفة في الوقت ذاته تقول: "إذا أكل شاب وفتاة من نفس الآيس كريم، وكانت تحتوي على حليب...، فإنها أخته بالرضاعة...!!# تكبير"!

وهذه الفتوى العظيمة والمبهرة، تكشف عن ألمعية متميزة بالانحطاط القياسي لدى العقل الفقهي "الداعشي"، المتكئ إلى أمهات الكتب القديمة، والعامرة بالعجيب والغريب من المقولات، والإخباريات، والأساطير ابنة زمانها والمشهود لها بفقرها المعرفي، عن إرضاع الكبير، التي كانت مناسبة لزمانها وظروفها التاريخية الموضوعية.

قضية إرضاع الكبير
---------------


وللتذكير فإن المشكلة الفقهية المشهورة بحكم إرضاع الكبير، للعلم فقط، ارتبطت بحالة "سهلة بنت سهيل وزوجها أبو حذيفة اللذين تبنيا سالم طفلا وقاما بتربيته حتى كبر، ومع نزول القرآن بتحريم التبني، وتغير قلب والد التبني حذيفة تجاه سالم ابنه بالتبني الذي صار كبيراً وقت التصريح بالإرضاع، ومراعاة لعدم حرمانه من أمه التي تبنته وقامت على شؤونه ومراعاة لشعور أم التبني تجاه الطفل الذي ربته كأنه الابن الشرعي، أذن الرسول الأكرم صلى الله عليه وسلم لها وابنها بالتبني برخصة الإرضاع، وليس المقصود به للكبير التقام الثدي ذاته، ليكون لبنها قد دخل بطنه، وقد كانت رخصة خاصة وقتية، ومرتبطة بفترة تطبيقها الخاص على حالتها ولا يتعدى هذا الحكم لغير حالته من الآخرين، بسبب ظروف تحريم التبني المفاجئ وقت حدوث الحالة.

والراجح حسب أقوال الفقهاء المعتد بها والمنطقية أن سهلة عصرت ثديها في قارورة وشربها ابن التبني سالم، ولم يلتقم ثديها، انطلاقا من الأمر القرآني بغض البصر وتحريم النظر إلى جسد المرأة حتى الأم.

وجاء العقل الفقهي الداعشي، ليلفت انتباهنا لقضية الأيس كريم اللذيذ، لذلك فأخذا بالمحظور، وتجنباً للشبهة، على كل منكم أن يتذكر كم مرة تعاطى الآيس كريم، وهل كانت هناك نساء وفتيات واقفات أو جالسات، يشترين أو يلتهمن الآيس كريم أثناء التهام المثلجات اللذيذة في محل بيعها، لأن هاته النسوة والفتيات، هن أخوات بالرضاعة، ومن الواجب أن يبحث الإنسان عنهن، ليرعاهن ويحسن إليهن، إلزاماً بحكم الدعوة "الداعشية" الألمعية.

الزواج الباطل بالآيس كريم
--------------------


وأيضاً، هناك إشكالية أخرى، لا تستهينوا بها، لأنها إشكالية أكبر، خاصة للمتزوجين والمتزوجات، فعلى كل زوج وزوجة، تذكر هل تعاطى كل منهم أو منهن الآيس كريم نفسه في بيت الزوجية، أو في رحلة، أو يوم عطلة أمضياه في مركز تسوق؟ لأن تعاطي الآيس كريم مع زوجتك وفق الفتوى "الداعشية" الألمعية، يجعلك لا تحل لها، ولا تحل لك من بعد تعاطيكما الآيس كريم في الوقت نفسه، وعلى كل منكما فوراً، الانفصال الطبيعي بعدم المعاشرة، والقانوني بالطلاق، لأنه بعد تعاطيكما الآيس كريم معاً يبطل زواجكما، بحكم أنكما صرتما أخوين بالرضاعة، نتيجة تعاطيكما حليب البقرة، أو الجاموسة، التي تعتبر وفق مفهوم إرضاع الكبير الأم المشتركة، التي ارتشفتما حليبها مثلجاً، حتى وإن لم تعرفا مكانها، في أية مزرعة هي ترعى البرسيم والاعلاف الآن، ولربما قد تكون ذُبحت، وصار لحمها "هامبورجر" أو قطع "اسكالوب"!

لذلك فالوفاء الواجب والملزم لكما يفرض عليكما أيضاً أن تفتشا عن أمكما البقرة، التي تعاطيتم حليبها في الآيس كريم،... وقولوا كما يقول المفتي "الداعشي" في الـ"بوست" الذي حمل فتواه على فيس بوك: # تكبيييييييييييييييييييييير!!!


                                                                             "رأفت السويركي"
-----------------------------









الخميس، 2 فبراير 2017

تفكيك العقل النخبوي الأميركي السياسوي (58) "دونالد ترامب" الذي يصيبهم بالحيرة والغضب... هكذا نفهمه!!



تفكيك العقل النخبوي الأميركي السياسوي (58)

"دونالد ترامب" الذي يصيبهم بالحيرة والغضب... 

هكذا نفهمه!!
-----------------------------------------------


يوما بعد يوم يكشف "اليمين السياسوي الأميركي" العائد لسدة الحكم عن ملامح وجهه الجديد، والذي يطل من تعبيرات وجه وحركات أصابع وقرارات "دونالد ترامب" غير المتوقعة، بما يصيب الجميع بالحيرة والغضب.

 

وعلى الرغم من الضوضاء التي تحدثها بعض الممارسات الشعبوية للحزب الديمقراطي الأميركي في الشوارع من تظاهرات، ومحاولة احتشادات مضادة لدونالد ترامب تجد أصداء مماثلة لها عالميا في بعض المدن الأوروبية، فان "القراءة التفكيكية" تلتفت أكثر لاكتشاف "المسكوت عنه" في الخطاب المبكر الذي دشن به بدء العصر الجديد لعودة اليمين السياسوي الأميركي حيث قدم خلاله ترامب دستور عمله اليميني الحاكم خلال مرحلتيه الدستوريتين في الحكم الأميركي إذا نجح في تنفيذ ما وعد به. 

***** 

"دونالد ترامب" الذي يعممون حوله صفات سلبية؛ بالقول أنه عنصري ومتعصب؛ وكاذب ومخادع ومتصنع؛ ومضطرب نفسانيا وغامض؛ ومندفع ويتفوق على النازي هتلر... إلخ صار أيقونة اليمين الأميركي الذي اختاره بوعي للرئاسة يواجه هذه التوصيفات بسخرية لمعرفته أنها من أساليب المكايدة السياسية ليس أكثر.

"دونالد ترامب"... اقتصاديا هو رأسمالي أميركي عولمي بامتداد شركاته إلى كثير من الدول في القارات المختلفة، غير أنه سياسويا صار رئيس دولة لها شجونها ومشكلاتها الخاصة داخليا، ومن هنا يتجلى التناقض الراهن بين ترامب الرأسمالي العولمي الراكض خلف الربح... وترامب السياسي الأميركي المدرك لمشكلات بلاده الاقتصادية والسياسية، فكيف يتناقضان ويتفقان حول الأجندة الوطنية، لكن في العمل السياسوي "هذه نقرة وتلك نقرة " كما يقولون في التعبير العربي!

القضية توجز في عبارة: إن فوز دونالد ترامب بالرئاسة الأميركية هو التدشين المرحلي لبدء عصر اليمين السياسوي في الولايات المتحدة الأميركية، كمقدمة مواكبة لمرحلة صعود جديدة أيضا لأحزاب اليمين في القارة الأوروبية، ومن هنا تبدو أهمية "القراءة التفكيكية" العميقة لخطاب التنصيب وممارسات "دونالد ترامب" بجلوسه في مقعد القيادة بالبيت الأبيض. فهل يتواءم ترامب الرأسمالي مع ترامب السياسي... أم يتناقضان كما أسفر عن ذلك خطاب التنصيب؟!

*****

الخطاب الأول لــ "دونالد ترامب" كان مُسفراً عن طبيعة التوجه الجديد في نهج السياسة الأميركية؛ عبر المنظور اليميني الذي يتبناه الجمهوريون الأميركيون؛ كما يُشير إلى ملامح تحولٍ مغاير جديدٍ في النهج الأميركي؛ يتناغم في الوقت نفسه مع تحول مناظر في حال عودة تمكن أحزاب اليمين الأوروبي من مفاصل السلطة في دوله العديدة؛ بعد أن أتيحت سنوات طويلة لسلطات اليسار الأوروبي وكذلك الديمقراطي الأميركي في مقاعد الحكم؛ وكان لها ما لها... وعليها ما عليها!!

إن تمكن الجمهوريين عبر "دونالد ترامب" من البيت الأبيض؛ ومن قبله الكونغرس بمجلسيه "النواب والشيوخ"، لم يكن خبط عشواء؛ وإنما هو فعلٌ دالٌ على تحول جوهري في طبيعة توجه الجمهور الأميركي؛ ويعكس دلالاته في تغيير بنية السلطة الأميركية التشريعية والتنفيذية.

 

فقد استنفد الديمقراطيون الأميركيون أغراضهم عبر ولايتي "أوباما"؛ وكان تأثيرهم في الخارج الأميركي مُدمِّراً؛ خاصة في منطقة الشرق الأوسط؛ التي جهدوا بدأب لأن يفتتوها بدعوى كَذُوب أسموها "تعميم الديموقراطية"، والخلاص من "حكم الأنظمة العسكرية"؛ فلم يؤسسوا للديموقراطية قدر ما أسسوا بدلاً عنها للفوضى؛ ولإقامة ولايات دينية وعرقية ومذهبية متصارعة، تعيش في احتراب دائم؛ وتدفع تلك الفوضى التي تسببوا فيها إلى نزوح هائل من المهاجرين العقيديين "المسلمين" باتجاه المربعين الأوروبي والأميركي وهو ما يزيد علل الداخل الأميركي التي تركها الديمقراطيون من دون حلول؛ لذلك خلعهم الناخب الأميركي من السلطة... رئاسة وتشريعاً غير مأسوف عليهم!! 

*****

وكما جاء "دونالد ترامب" ليعلن بدء "عصر اليمين الأميركي الجديد"؛ بدأت في الوقت ذاته ظاهرة تكريس عودة صعودُ اليمينِ في دول العالم؛ كما حدث في إنجلترا وقد نشط لإخراج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، وفي فرنسا عبر الجبهة الوطنية بقيادة مارين لوبين الساعية للوصول إلى رئاسة الجمهورية الفرنسية في انتخابات 2017م مع رئيس الوزراء السابق فرانسوا فيون؛ وفي ألمانيا بتفوق حزبُ البديل على الحزب المسيحي الديمقراطي بقيادة ميركل اتحادياً؛ فضلاً عن تنامي صعود الظاهرة اليمينية في فنلندا وبلغاريا وسويسرا؛ والعديد من الدول الأخرى.

*****

 

وبالتركيز على موضوعة "دونالد ترامب" عبر تفكيك خطابه لكي نفهمه يمكن رصد التوجهات الجديدة فيما يلي:

** إن الولايات المتحدة الأميركية "دولة المركز الرأسمالي" التي انطلق منها طور "العولمة الرأسمالية" نزوحاً وغزواً إلى دول الأطراف، بدأت تكتوي بنار العولمة؛ وتشعر بالمأزق الوجودي الذي أخذ يطالها محليا في "مرحلة العولمة". حيث أحدثت تلك "العولمة" تجريفاً في القدرات الاستصناعية الأميركية الخاصة التي كانت مركز ثقلها وقوتها؛ وقامت بنقل الصناعات الثقيلة والتخصصية إلى دول "الأطراف العولمية" في الصين واليابان والهند وبقية دول آسيا؛ وما تيسر من دول الحُلفاء في أوروبا وأميركا اللاتينية؛ لتفقد كثيرا من ثقلها الاقتصادي والسياسي، مع صعود العديد من القوى الدولية الوازنة الأخرى مثل روسيا بوتين والصين وغيرهما.

** بقيام الفكر الرأسمالي الأميركي العولمي المُخادع بتفكيك صناعات بلاده، فإنه يبدأ طور إغلاق صفحة "العصر الصناعي"؛ وبقدراته الاتصالية الهائلة وهيمنته الرقمية يشرع في فتح صفحة "العصر العولمي" الجديد... بحجج التخلص من عبء الصناعات الثقيلة؛ التي هي بطبيعتها قذرة وملوثة وضارة بالبيئة؛ فنقلها إلى دول الأطراف؛ التي تتحمل بنفسها دفع ضريبة التلوث مقابل حركة التصنيع وتشغيل العمالة من دون كلفة تتحملها الرأسمالية العولمية؛ حيث لا تراعي الاتفاقات المعقودة برعاية مؤسسات المال العولمية؛ مثل "البنك الدولي" و"صندوق النقد الدولي" ما ينص على المسؤولية الأميركية وكلفتها الاقتصادية مقابل التلوث والهدر البيئي الذي ستحدثه بنقل التصنيع إلى الدول الطرفية؛ ما يحقق للرأسمالي العولمي - وهذا هو "المسكوت عنه" - الهيمنة الكونية السياسوية؛ بعد تفتت كيانات ودول المعسكر الاشتراكي المنافس البنيوي التقليدي له فضلا عما يجنيه من الربحية المخيفة.

** ولأن القاعدة المنطقية تقوم على أن "الظاهرة تخلق نقيضها"؛ فإن الفكر الرأسمالي العولمي، الذي قادته العاصمة السياسية واشنطن والعاصمة المالية نيويورك بعد انهيار الاتحاد السوفياتي هو "صَنْعَنَة" دول الأطراف الفقيرة – أي جعلها من الدول الصناعية - تعظيما للربحية؛ والاستفادة من انخفاض الأجور، واستنزاف ثرواتها الطبيعية من المواد الخام الأولية؛ واقترابها من الأسواق الجديدة والواعدة؛ فضلاً عن الاستفادة من بيئتها البكر لتكون علاجاً بديلاً لمشكلة البيئة والتلوث بالبلدان الصناعية، ولم تتحمل الرأسمالية العولمية مسؤوليتها الاجتماعية عن التلوث البيئي.

لذلك حدث خلل بنيوي ضرب "الولايات المتحدة الأميركية"؛ فأوصلها إلى مرحلة التهافت التصنيعي؛ منذ قيام الرأسمالية العولمية بتفكيك أغلبية المصانع الأميركية، مع الإبقاء على الصناعات الحربية والاستراتيجية؛ مقابل "دولرة النظام النقدي العالمي"؛ سعياً لتحويل المجتمع الأميركي إلى "مجتمع الصفوة والنخبة التخصصية" في عالم البنوك.

وقد أشار إلى ذلك "دونالد ترامب" في خطاب التنصيب بأنها "كدست الثروات والمميزات على حساب جموع الأميركيين"؛ حيث تدير المجتمع العولمي عبر عملية ترسيخ النمط البنكي وأسواق المال التي عممتها في أغلبية الدول؛ مستفيدة من حالة الهيمنة المطلقة على عنصر الاتصالات. وحددها أكثر بقوله : "السياسيون في بلادنا عاشوا برخاء لوقت طويل بينما الوظائف تقلصت والمصانع أقفلت".

** وكنتيجة طبيعية لـ "بَنْكَنَة" دور الاقتصاد الأميركي – أي جعله اقتصاداً بنكيا فقط، يطبع الدولار ويعممه؛ ويتحكم في فرضه عولمياً- فقدت "الطبقة العمالية الأميركية" الكبيرة العدد الكثير من المصانع التي كانت تعمل بها؛ لذلك حدث ما ذكره "دونالد ترامب"؛ إذ ضربت الدولة الأميركية أمراض البطالة؛ وانتشرت ظواهر الإجرام وتجارة وتعاطي المخدرات بوجود قوة العمل الكبيرة المتعطلة.


** لقد غنمت الرأسمالية العولمية الأميركية أرباحاً خرافية؛ نتيجة الخفض الكبير في كلفة وأعباء الإنتاج للسلع التي تنتجها في مصانع دول الأطراف؛ مقارنة بالتكلفة الأعلى التي كانت تنفقها في انتاج السلع ذاتها على الأرض الأميركية؛ نتيجة ارتفاع أجور وتأمينات العمالة الأميركية؛ وحقوقها المكفولة بحماية القانون الأميركي، والذي لا يمكن للرأسمالي الأميركي أن يتهرب من الالتزام بها حسب العلاقة التعاقدية؛ فضلا عن فعالية إسهام أنظمة العمل الإنساني التي تخفف من تأثيرات التوحش الرأسمالي بإعانات البطالة.


** كانت النتيجة الطبيعية لتجريف الصناعة الأميركية العملاقة بسبب العولمة؛ ونقلها إلى دول الأطراف حدوث خلل وجودي كبير؛ تسبب في ارتفاع حجم المديونية الأميركية؛ ووضع الدولة الأميركية في "مربع الإفلاس" بالحجم المخيف لسندات الخزانة الأميركية التي تشتريها الدول الخارجية وأبرزها الصين الشعبية الدائن الأكبر. ولعل ما سمي "الأزمة المالية العالمية" الأخيرة كشفت علة ذلك النظام الرأسمالي الأميركي البنكي، الذي اختلق قيمة افتراضية مخادعة بالمضاربة؛ وغير حقيقية للأوراق المالية أفقدت الأميركيين منازلهم ومدخراتهم وحققت نكبة مخيفة لهذا الاقتصاد في الداخل الأميركي، وانعكست كذلك على بقية الاقتصادات التابعة في مختلف دول العالم.


*****

 

لذلك هنا يتقدم اليمين الأميركي في موجة مد سياسوي كبيرة لتولي مقاليد الأمور في الغرب الرأسمالي؛ فهذا دونالد ترامب يلعب دور النسر الأميركي المشهور بشراسته في إعلان الخصومة وتحديد الأعداء الجدد الذين سيستهدفهم؛ وقد حددهم في ثلاثة عناصر:

- "الرأسمالية الأميركية العولمية" التي قامت بتجريف الصناعات الأميركية التقليدية إلى خارج الحدود الأميركية؛ عليها أن تعيد ما جرَّفته إلى موطنه الأصلي؛ لكي تعود أميركا الصناعية مرة أخري لإعادة خلق فرص عمل للمتعطلين.

- "الرأسمالية الأميركية المالية العولمية" التي اختزلت الاقتصاد الأميركي في العملة الورقية الدولارية؛ تسببت في تضخم افتراضي لقيمة هذه العملة لا يعبر عن أوزان حقيقية للاقتصاد الأميركي وأصوله.


- "الرأسمالية السياسية الأميركية" التي تعيش وتكتنز ثروات غير مبررة على الرغم من وجودها في واشنطن ونيويورك؛ هي التي تتولى هندسة المد العولمي وتغوله مقابل مكاسبها المالية والسياسية لا تفكر في طوابير الأميركيين المتعطلين بمشكلاتهم الاجتماعية المختلفة.


لذلك فإن الاستراتيجيات العولمية الأميركية أنتجت في الداخل الأميركي ضحايا لا حصر لأعدادهم من المتعطلين عن العمل المفقود؛ كما تسبب حكم الديمقراطيين برئاسة أوباما في إنتاج جيوش من المهاجرين بلغوا المليوني مهاجر يتدفقون إلى الحدود الأميركية؛ بجانب من اقتربوا وتجاوزوا الحدود الأوروبية، نتيجة سياسات الديموقراطيين المخادعة والمدمرة لتفتيت دولهم بالحروب وتوهمات نشر الديموقراطية؛ وهؤلاء في أغلبيتهم مسلمون؛ ومنهم من يوصفون بالإسلاميين الجهاديين؛ ونزوحهم إلى الداخل الأميركي كما يتخوف ترامب سيعني القبول بقنابل موقوته يجري تفجيرها لاحقاً بتوجيهات مما يسمى جماعات "الإسلام السياسي".



لذلك فإن الأجندة التي طرحها دونالد ترامب كانت تمثل برنامج عمل استراتيجي لليمين الأميركي والأوروبي وتحديدا البريطاني في الوقت اللاحق؛ وسيحاول توظيف كافة الأدوات التي تحقق أغراضه؛ ومن أجل ذلك سيقوم خارجياً بإلغاء الاتفاق النووي مع إيران؛ ودعم مخططات وقوى مواجهة الإرهاب العقدي الذي تأتي في مقدمته ما تسمى "جماعة الإخوان المسلمين" و" داعش" وما شابه من التنظيمات التي أفرط الديموقراطيون الأميركيون في دعمها، وتوظيفها أدوات فاعلة في مخطط تفتيت المنطقة.




ومن هنا يمكن قراءة وفهم معنى ودلالة اقتراب ترامب من الدولة المصرية؛ التي تتحمل منفردة عبئاً هائلاً في مواجهة الإرهاب الذي تديره الجماعة المتأخونة؛ والاقتراب والتنسيق مع روسيا بوتين؛ التي تبذل جهدا خرافياً في مقاومة داعش وبقية الفصائل العقدية المشابهة في سوريا.

*****


وفي الجانب الاقتصادي - أميركياً - يأتي دونالد ترامب بسيناريوهات لم يتم الكشف عنها إلى الآن؛ لكنها ستقوم بما يمكن وصفه بــ "تجريف العولمة" إلى الداخل الأميركي؛ بعد أن "جرَّفت الرأسمالية الأميركية" صناعاتها وفككتها ونقلتها إلى دول الأطراف؛ وسيكون ذلك عبر إعادة إحياء "حركة التصنيع" في موطنها الأميركي من جديد؛ فهل سيحدث ذلك وفق معايير حمائية اقتصادية؛ وكيف سيجري حل مشكلة السعر الرخيص للسلع الواردة من الخارج ليشتري المستهلك بضاعة بلاده الغالية السعر... المعلومات لا تزال في حقيبة ترامب ولم يعلن عنها إلى الآن.




 وهناك سؤال مهم: ماذا سيفعل دونالد ترامب أيضاً في قضايا الديون الأميركية التي تقبض على رقبة النسر الأميركي من "أصدقاء العولمة" مثل الصين وغيرها، وهذه مشكلة شائكة جعلت هذا الصديق الصيني يغضب من التباشير التي أسفر عنها ترامب؛ ومحاولته اتهام الصين بالتلاعب بالعملة؛ وكذلك الأمر بالنسبة للحلفاء القدامى في منطقة الشرق الأوسط.

***** 

حقيبة "دونالد ترامب" كبيرة؛ لأنها حقيبة اليمين الأميركي المتعطش للسلطة؛ والذي يشعر بمآزق ضخمة أمام مؤشرات تؤذن بانقضاء العصر الأميركي؛ وصعود النمور الآسيوية؛ التي تمتلك الطاقة النظيفة؛ والكثافة البشرية المخيفة؛ والطاقات اللوجستية المميزة؛ فضلاً عن القدرة على التكيف وفق قوانين العصر العولمي التي يحاول رونالد ترامب ممثلاً لليمين السياسوي الأميركي أن يعدل حركته ليُلْحِقق العربة الأميركية بفعالية منتجة في جراره... فهل يفلح في القيام بتجريف العولمة مرة أخرى إلى الداخل الأميركي؟ احتمالات الإجابة شائكة... وهكذا يمكن أن نفهمه!!

                                                                        "رأفت السويركي"

----------------------------------