الاثنين، 2 أكتوبر 2017

" صلاة أمام قبره"... ناصر الحاضر رغم الغياب!! شعر رأفت السويركي

" صلاة أمام قبره"... ناصر الحاضر رغم الغياب!!
 
 
--------------------------------- شعر رأفت السويركي
 
 
 
 
قم بمصر وكذب الأقوالا
 
                                       وتحد الفناء والأهوالا
 
يا رسول السلام كيف افترقنا
 
                              يا حبيب الجموع انهض تعال
 
واحتضن شعبك الحزين بحب
 
                                الأب واخلق مصانعا ورجالا
 
قم بواديك يازعيمي خطيباً
 
                                يا حبيباً مضى يشد الرِّحالا
 
دمِّر القبر وانتفض من عقالٍ
 
                              حرم الشعب روحه والجلالا
 
وتجرَّدْ من كل موت حقود
 
                            دسَّ في محجريك ليلاً توالى
 
وتحرك فإن شعباً وفياً
 
                                   دمعه الانَ لم يزلْ هطَّالا
 
قل لهم: لم أمتْ أنا لم أزل حيّاً
 
                                     لكمْ فاثبتوا إذا الليل طال
              
أيها السادرون في الحزن مهلاً
 
                                  إنني مثلما الضِيا يتوالى
 
فدعوا الأدمع الثواكل وامضوا
 
                                      للأعالي فيالقا... أجيالا
 
كُنتَ صبحاً مباركاً بعثه لم
 
                                     يَشْهَدِ الشرقُ مثْله فعَّالا
 
عرفتك الشعوب فجراً تجلّى
 
                                   وجسوراً ومُبدعاً صوَّالا
 
فحمدنا الإلهَ خيرَ ثناءٍ
 
                                    وشكرناهُ أنْ حَبانا جَمالا
 
واتَّبعناكَ قائداً خالداً لا
 
                                     ينثني للصعابِ فذَّاً مثالا
 
وافتقدناك مهجة وفؤاداً
 
                                      وسراجاً ومِشْعَلاً وهلالا
 
ومشينا شعارنا: بالدِّما والروحِ
 
                                            لا بد أنْ نسير عِجَالا
 
وحلفنا نحقق النصر حتماً
 
                                             وحلفنا نُحطِّم الأغلالا
 
لن تطيب الحياة إلا بنصرٍ
 
                                          واثق الخطو يدحر الإحتلالا
 
كَذَبوا حينما ادَّعوا كلَّ زورٍ
 
                                  حَسبوكَ انتهيتَ لا... ألف لا... لا
 
أنت حيٌ مخلدٌ وكفاحٌ
 
                                            كلما أنكروه... زادَ جلالا
 
أنتَ مصرٌ، ومصرُ قاهرة الأزمانِ
 
                                               فانهضْ وكذِّب الأقوالا

-----------------



ها نحن نعيش في عامه السابع والأربعين من الحضور على الرغم من الغياب؛ ذكرى رحيل ناصر؛ الذي لو لم تأت به المشيئة الإلهية لقيادة مصر لكنت وجيلي وما أعقبنا من اجيال في حال لا يعلمها إلا الله. أقول ذلك بثقة مطلقة رغم أنف المتنطعين؛ والمغيبين والمضللين والمتوهمين؛ وطوائف الببغاوات التي تلوك حين يرد ذكر ناصر كلمات لا تعرف وزنها؛ ولا مقدار جرمها في حق هذا الرجل؛ والذي لا تزال أضواء سيرته الوطنية والشخصانية تعمي عيونهم؛ ونبرات كلماته تصيبهم بالصمم.

*****
 
أنا شخصيا ابن ذلك الرجل الفلاح الفقير؛ يرحمه الله الذي غادر آيام الملكية ريف " محافظة الشرقية" إلى القاهرة لآداء الخدمة العسكرية مجندا وبقي بها؛ ولربما لم أكن سأحظى يوما بفرصة التعليم؛ لو لم يأت ناصر إلى قيادة مصر. وهذه الميزة التي تعادل قيمة الدنيا وما بها سأضعها في ميزان ناصر لدي؛ ولهذه وغيرها الكثير؛ أحببت جمال عبد الناصر فتى وشابا ورجلا طرق أبواب خريف العمر؛ يدرك معني ودلالة " ناصر / الرمز" بعد غياب الجسد.
 
ومنذ غياب " ناصر/ الجسد " في الثامن والعشرين من سبتمبر / أيلول ١٩٧٠ م، وناصر الرجل / الرمز لا يزال يتلقى الطعنات من المتنطعين القدامى والمحدثين؛ سواء من المتأخونين، أو المتأدلجين؛ وكلهم غارق في الغيبوبة وضلالة الوعي والمعتقد السياسوي؛ البعض منهم ممن عاشوا أيامه؛ وكذلك ممن لم يعرفوا عنه شيئا؛ سوى بالسماع ممن تصوغ وسائط التواصل الاجتماعي أذهانهم وأفهامهم في الزمن الراهن.

 
" ناصر الرمز والقيمة" حاضر في وجداننا ولن يغيب؛ وسنظل نتذكر أنه وضع بدايات مصر الفاعلة، استصناعيا واستزراعيا وسياسويا مع أقطاب حركات التحرر الوطني في العالم، ولكن لم يتح له الموت فرصة إكمال المسيرة؛ فانتكبت مصر من بعده بما فعله أنور السادات وحسني مبارك؛ وأفدحه إتاحة الفرصة التاريخية للرأسمالية الطفيلية الناشئة للتوحش؛ وتفكيك قدرات الدولة المصرية في الاستصناع والاستزراع؛ لتصل مصر إلى ما وصلت إليه من هذا التردي القدراتي المخيف؛ والذي تحاول الدولة المصرية راهنا استرداد عافيتها من جديد؛ فلا يقبل بذلك كل المغيبين عقديا وإيديولوجيا من " عباد الماضي" و" عباد النظرية" ، فلا يتوقفون عن البكاء والولولة؛ ويواصلون الهتافات الساقطة... بما يسمونه بغبائهم العقلي " سقوط حكم العسكر "!!

 
*****
صورة قصيدتي التي كتبتها في عمر العشرين عاما
والقيتها في ذكرى تأبين ناصر بدار الأدباء في مصر 1970م
 
 
قصيدة " صلاة أمام قبره" ؛ تلك المنشورة هنا؛ كتبتها شابا عشريني العمر؛ وألقيتها بمناسبة تأبين ناصر في احتفالية الأربعين التي أقيمت في " دار الأدباء" بالقاهرة يوم 8 نوفمبر 1970 م؛ ضمن باقة من أساتذتي الكبار فطاحل الشعر العربي؛ ومنهم صلاح عبد الصبور من مصر؛ وهارون هاشم رشيد من فلسطين، وأحمد رامي من مصر، وَعَبَد المنعم الرفاعي من الاْردن، وصالح جودت من مصر، وإبراهيم عمر الأمين من السودان، وسلامة عبيد من سورية، وَعَبَد الرحمن صدقي من مصر، وسليمان ابراهيم المشيني من الاْردن، وعلي الجندي من مصر، ومحمد احمد المشاري من الكويت، ومحمود حسن اسماعيل من مصر، ومحمد حبيب صادق من لبنان، وأمل دنقل من مصر، وَعَبَد اللطيف حسين من ليبيا، ومحمود غنيم من مصر، وإبراهيم الحوراني من اليمن، ومحمد مصطفى الماحي من مصر، والدكتورة الشاعرة طلعت الرفاعي، ومحمد أبو دومة، وأحمد سويلم، ومحمد الجيار، وخليل جرجس خليل، وروحية القليني، وفؤاد بدوي، وكامل أمين، وخليل الليثي، ومحمد حجازي، والعديد العديد من شعراء مصر.
 
*****

الامام الشعراوي يقرأ الفاتحة على روح ناصر


وحين أتأمل راهنا أبيات تلك القصيدة؛ أدرك كيف يمكن للشاعر أن يمتلك القدرة على إدراك المختبىء مبكرا؛ والتشوف الاستبصاري؛ كما ورد في ختام القصيدة بحرفه:

كَذَبوا حينما ادَّعوا كلَّ زورٍ
 
                                     حَسبوكَ انتهيتَ لا... ألف لا... لا
 
أنت حيٌ مخلدٌ وكفاحٌ
 
                                                كلما أنكروه... زادَ جلالا
 
فهذا " ناصر الرمز" يتحدى بحضوره الكريم على الرغم من الغياب الجسدي أكاذيب كل الموتورين والمغيبين؛ الذين لا يتركون أية فرصة للطعن في تاريخه؛ بعماء البصيرة وعفن السريرة؛ فلا نالوا منه ولا خمدت نيرانهم لتواصل حرق حناياهم؛ وناصر ينام هناك في قبره حاضرا؛ حضور عزة أمة بقوة جيشها العظيم؛ الذي يحميها من التفتت والاضمحلال إلى أن تقوم الساعة؛ فهي مصر الآمنين بوعد الله تبارك وتعالى. عليك رحمة الله يا ناصر.
 
 
                                                                  "رأفت السويركي"

 

 
 ----------------------------------------------------------------------
 

الثلاثاء، 26 سبتمبر 2017

تفكيك العقل النخبوي الدبلوماسوي المُخادع (75) "الوجه المخفي" في مذكرات "كِتَابِيَهْ"... عمرو موسى نموذجا!!

تفكيك العقل النخبوي الدبلوماسوي المُخادع (75)

"الوجه المخفي" في مذكرات "كِتَابِيَهْ"

... عمرو موسى نموذجا!!
---------------------------------------------
 
غلاف مذكرات عمرو موسى المعنون "كتابيه"
بما يحمله المسمى من مخادعة ,والصور من الانترنيت٠
 
 
توقفت متفكراً لبُرْهَة في دلالة اختيار عمرو موسى - Amre Mousssa التعبير القرآني الكريم "كِتَابِيَهْ" عنواناً لمذكراته؛ التي لم تقع في حوزتي إلى الآن؛ وأُعلن عن إصدارها في إطار تظاهرة سياسوية نظمتها دار النشر كانت مُغالى في حجمها؛ بما حُشد لها من شخصيات؛ رافقت أو خلفت في الدور الوظيفي عمرو موسى دبلوماسياً؛ ولعبت أو تلعب أدواراً؛ وضعت أو توضع عليها علامات مثيرة في الوضعين المصري والعربي الراهنين.

وعملية التفكر تلك... استدعت استباقاً منهاجياً بممارسة الفعل التفكيكي لهذا العنوان المثير للتساؤل "كِتَابِيَهْ"؛ في محاولة لكشف "المسكوت عنه" المُضْمر في ذلك التعبير العَقَدي الإسلاموي الخاص؛ والذي يبدو من غير المنطقي استخدامه من قِبَلْ شخصية تحمل اسم "عمرو موسى"؛ ذلك الرجل الدبلوماسي... حليق الذقن والشارب، والحامل بين أصابعه السيجار الكوبي الفاخر والمرعب سعراً؛ وليس الرجل الداعية؛ صاحب الذقن الشعثاء و"الزبيبة" المطبوعة على جبهته؛ وحامل المسبحة بين أصابعه!!

*****  

كيف يقرأ العقل التفكيكي عنوان مذكرات عمرو موسى "كِتَابِيَهْ"، والمنتزع من حقل التعبير القرآني؛ فيما هي مذكرات سياسوية لا صلة لها بالوعظ الديني؛ ولا تحوي أي جهد دعوي يقوم به، ويتعلق بشريعة الله؛ أو حتى يكشف جهوده في تحقيق التمكين السياسوي للعقيدة. 

من البيِّن أن ذلك العنوان "كِتَابِيَهْ" الذي اختاره عمرو موسى لتسمية مذكراته ربما ورَّطه في اقتراحه الصحافي الذي قام بتحرير الكتاب؛ وربما يكون ذلك الصحافي مرتبطا بتوجه سياسوي عقدي؛ إذ استعار العنوان من سورة الحاقة:( فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ (19)إِنِّي ظَنَنتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ (20) فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ (21) فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ (22) قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ (23) كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ (24)"؛ فأعجب عمرو موسى به، وتبناه بدافعية قد تعبر عن "المأمول النفساني الباطني لديه"؛ وهو يقترب في بدايات أكتوبر/ تشرين أول 2017 م الجاري من عامه الثاني والثمانين من العمر.

وهذه المرحلة العمرية – متعه الله بطول العمر والصحة - لها ضغوطها الشعورية، التي تجعل الإنسان الشرقي يتوقف متأملاً في الحصاد الدنيوي الذي زرعه طيلة حياته؛ ومقدار الخيرية التي فعلها في سنوات عمره؛ طال أم قصر؛ وفي كل الأحوال فإن الإنسان مقابل ما فعله يأمل من الله الرحمة والخير؛ حسب ما رواه مسلم عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: " سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَبْلَ وَفَاتِهِ بِثَلَاثٍ، يَقُولُ: (لَا يَمُوتَنَّ أَحَدُكُمْ إِلَّا وَهُوَ يُحْسِنُ بِاللهِ الظَّنَّ)" (2877).

لذلك تكون هذه القراءة التفكيكية لعنوان المذكرات مناسبة ومنطقية؛ لتوفيرها القدرة على فهم "استراتيجية التسمية" التي تبناها عمرو موسى، لدى انتزاع عنوان مذكراته "كِتَابِيَهْ" من الآية القرآنية؛ غير أنه تغافل عن بقية النص الكريم من سورة الحاقة: ( وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ (25) وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ (26) يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ (27) مَا أَغْنَىٰ عَنِّي مَالِيَهْ ۜ (28) هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ (29) "ص".

فــ "كِتَابِيَهْ" الأولى التي منطقياً يتبناها عمرو موسى في مذكراته ويتقصدها؛ تختلف عن "كتابيه" الثانية التي لا تحبذها النفس البشرية وتهرب من الاعتراف بها؛ فالأولى تعني أن الإنسان على صواب في أفعاله الدنيوية، وتصنع له صورة ذهنية أو نمطية إيجابية؛ وهو ما يظنه عمرو موسى في فعله وكذلك سواه من البشر؛ والثانية دالة على صورة ذهنية سلبية غير مرغوب بها؛ لذلك لا نعترف بها، مهما كنا نقع في أوزارها؛ ولا نعترف أننا نقع في حوزتها بأفعالنا الدنيوية.

ولكن توجد قاعدة معرفية مهمة؛ تحددها عبارة "الكتاب خطاب"؛ فالمؤلف يسعى خلال صفحات كتابه إلى إبلاغ المتلقي رسالة محددة؛ قد تكون ناصحة أو مضللة؛ مرشدة "موعِّية"... أو مُخادعة؛ تكشف محاسن أو تخفي سوءات!!

لذلك فتسمية عمرو موسى القصدية لمذكراته بــ "كِتَابِيَهْ" الأولى الإيجابية متسقة مع منظومة سماته الشخصانية التي صنع بها صورته النمطية التي قام ببنائها؛ والتي سيكشف في مذكراته تلك التي اسمها "كِتَابِيَهْ" آليات صناعتها طيلة سنوات عمره الثمانين؛ وسيمرر وفق عادة كل مذكرات السياسويين الأميركيين "كيسنجر وبوش وكونداليزا رايس... إلخ؛ في مذكراتهم تصوراته؛ ومبرراته المحكومة بقناعاته السياسوية المركزية، التي شكلت منهجه في العمل وأغلب محركاتها كصناع الفعل السياسوي انتفاعية؛ تنفذ أجندات مرحلية محددة للنظام السياسوي والطبقي الذي يمثله.

إن الصورة التي صنعها عمرو موسى لنفسه؛ وظل يبنيها بدأب منذ تكليفه في مرحلة الهيمنة المباركية السياسوية وزيراً للخارجية لمدة عشر سنوات؛ كانت صورة مُخادعة للغاية؛ شهدت انهيارات الدور الإقليمي المصري؛ وصعود دور القوى الأخرى؛ في المجال الحيوي الاستراتيجي المصري في أفريقيا وآسيا؛ وكذلك انبطاح المنطقة العربية عجزا أمام محاولات هيمنة القوى الرأسمالوية العولمية عليها في مرحلته وزيرا للخارجية المصرية.
 
المطرب الشعبوي شعبان عبد الرحيم الذي تسبب في خروج
عمرو موسى من وزارة الخارجية وقد استوطنها لعشر سنوات.
 
 
ولم يخرج عمرو موسى من جُبِّ تلك الوزارة إلاّ بعد التضخم الكذوب لصورته؛ والتي ترجم حجمها الكوَّاء أو "المكوجي" شعبان عبد الرحيم الذي تحول إلى مطرب شعبوي في زمن الانهيار السياسوي لمبارك؛ واشتهرت يومها بــ " أنا بَكْرَهْ إسرائيل وبحب عمرو موسى". 

إذ تحول عمرو موسى إلى مثال للبطل الشعبوي؛ فيما هو لم يفعل للقضية الوطنية أو القومية سوى الاحتداد فقط في النقاش الكلامي مع "المسؤولين الصهاينة"؛ وهي مهارة اكتسبها خلال تدرجه الوظيفي منذ احترف العمل الدبلوماسي؛ فيما هو لم يسع لإسقاط اتفاقية مع العدو الصهيوني؛ ولم يبن تجمعاً سياسوياً يقاوم ذلك العدو ليكون بطلاً شعبوياً حقيقياً!! 
 
 
حوار ودي مع بيريز، والصورة تخفي ما تخفي من ادعاء الموقف من الصهاينة.
 
وعلى نسق الاحتجاج الكلامي المميز به عمرو موسى تعلم وفعل الأغا العثمانلي "رجب طيب أردوغان" الحركة نفسها أيام "منتدى دافوس" حين انسحب احتجاجا على عدم منحه الفرصة للرد على أكاذيب "شمعون بيريز" بسبب "العدوان الصهيوني" على قطاع غزة. والغريب أن عمرو موسى نفسه ظل متواجداً في القاعة ذاتها بدافوس ولم يدعم على الأقل تمثيلية انسحاب أردوغان الذي يقيم مسبقاً وراهناً علاقات تاريخية مع "الكيان الصهيوني"؛ تتنافى مع تمثيليته بالانسحاب في دافوس!! 

وحين أطاحت أغنية شعبان عبد الرحيم بـ "عمرو موسى" من كرسي وزارة الخارجية المصرية؛ خشية من مبارك وزوجته وابنه أن يتواصل تضخيم دوره؛ فيعطل الاندفاع التوريثي لجمال مبارك؛ كانت نقلته الدبلوماسية التالية إلى ساحة أوسع؛ أروقة الجامعة العربية؛ ليواصل بناء صورته المكذوبة في مبنى عربي لا شيء به سوى الكلام المجوف المماثل لطرق الطبول والذي يتقنه جيداً.    

*****

ولعل الانتقال القسري لعمرو موسى الذي حطم توهمه المتضخم برئاسة مصر، بعد خلعه من كرسي وزارة الخارجية المصرية إلى كرسي الأمانة العامة لجامعة الدول العربية، يكشف جانباً من جوانب "المسكوت عنه" الآخر في خطابه الكامن بمذكراته المعنونة بــ "كِتَابِيَهْ"؛ ففي متون تلك المذكرات، سيحاول من دون شك وهو شاهد عيان أن يخفي حقائق مخططات تدمير "الدولة الوطنية" التي على الأقل إن لم يشارك في تكريسها في الواقع العربي علم بتنفيذها في العراق وليبيا ولا حقا في سوريا والتي جرى تطبيقها خلال ولايته لكرسي أمانة الجامعة العربية.

إن نزوع عمرو موسى لتقديم مذكراته المعنونة بــ "كتابيه" بوجهها الإيجابي المصطنع سيجعله يروي الوقائع بصورتها غير الحقيقية؛ بعد تنفيذ التدمير الأميركي بالغزو العسكري للدولة العراقية؛ وتسريح جيشها الوطني لتشكيل العراق الجديد المفتت والطائفي والفسيفسائي المفخخ؛ والذي بارك تنفيذه؛ فتحول العراق راهنا إلى مفرخة إرهابية انتجت داعش، وقبل ذلك مقتلة سقط ضحايا لها أطفال ونساء ورجال العراق، ولا يزالون يسقطون بالمفخخات بأعداد لا حصر لها.

** ماذا سيقول عمرو موسى في مذكراته "كتابيه" عن سيناريو تكريس مشروعية ضربة بوش الأميركية بالأغلبية في قمة أغسطس/آب 1990م العربية؟ وهل سيكشف حقائق ما يُقال عن الملايين التي تقاضاها قبلا من صدام حسين بدعوى إصلاح الجامعة العربية؟ وما السيناريوهات البديلة التي قدمها؛ على الأقل لحل الأزمة العراقية الكويتية؛ مثل دعم اقتراح حكيم العرب المغفور له الشيخ زايد بن سلطان الخاص بحل الأزمة حينذاك؟!!

** ماذا فعل عمرو موسى أمين الجامعة العربية لإثناء معمر القذافي عن الانسحاب من الجامعة العربية؛ مفضلا التوجه إلى العمق الأفريقي احتجاجاً على قرار تمهيد الأجواء للعدوان الأميركي على العراق وغزوه؟ وهل أدى الأمين العام للجامعة دوره الدبلوماسي المنتظر في إعادة وصل لحمة التضامن المطلوب الحفاظ عليها؟!! 

** وهل سيكشف عمرو موسى أسانيده الحقيقية التي اعتمد عليها، وهو يرسخ فعل الحظر الجوي على ليبيا القذافي؛ مستبقا في ذلك قرارات مجلس الأمن والاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة الأميركية قبل العدوان العسكري لقوات الناتو؛ التي أسقطت الدولة الليبية وحولتها إلى دولة مهترئة؛ تحارب فيها كل "زنقة" الــ "زنقة" المجاورة؛ لتصبح ليبيا المفتتة راهناً مستودعاً لكل جماعات الإرهاب الدولية؛ وتهدد الأمن الوطني المصري والجزائري والتونسي والسوداني!!

** كيف سيشرح عمرو موسى في مذكراته "كتابيه" مسببات تفتيت السودان، وانفصال جنوبه عن شماله تلبية للرغبة الأميركية خلال أمانته للجامعة العربية؛ وهل سينسف الاتهام الموجه له بوضعه شخصيا سيناريو تقسيم السودان حسب استطلاع تصورات الفصائل السودانية للتقسيم وحدوده بوساطة بعض المصادر القريبة من تلك الفصائل والملتصقة بعمرو موسى!!

** ما هو الدور البارز الذي قام به عمرو موسى وزيراً للخارجية المصرية وأمينا عاماً للجامعة العربية في حل المشكلة الصومالية ولجم الدور الأثيوبي المخرب لتكريس عدم استقرار الأوضاع في الصومال!!

** كيف سيبرر عمرو موسى اللعب بالدور الإيراني؛ والتقليل الدؤوب من طبيعة المشروع الإيراني ومستهدفه السياسوي الذي لا يكل عن سعيه لتكريس وزنه في المنطقة؛ ومحاولة إدماجه في اللعب بمنطقة الخليج العربي عبر الدعوة له بممر سياسوي في اجتماعات الجامعة العربية خلال إحدى الدورات بالمنطقة؛ فيما يرفض في الوقت نفسه ذلك الدور  الإيراني في المشكلة السورية؛ والغريب أنه يخفي الوزن السياسوي للمشروع الإيراني تحت غطاء التركيز على دولة الكيان الصهيوني في فلسطين المحتلة؟!!  

** هل سيتولى عمرو موسى الدفاع عن نفسه في مذكراته "كتابيه"؛ فيما يتعلق بقضايا الأهدار في أموال الجامعة العربية؛ والتي رصدتها وحددتها مقالات وكتب خاصة بمرحلته تلك؛ لكي يكون كتابه نقيا من أية شوائب طالت تاريخه في العمل؛ والمفترض أن تتضمن مذكراته الردود التي تفند كل الاتهامات التي وجهت إليه؛ لكي يقول بثقة واعتداد بالذات ( هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ ).!!!

** ماذا سيقول عمرو موسى حول لجنة الخمسين آلتي تولت في مرحلة هشاشة الدولة المصرية مع ما تسمى زمرة النشطاء المتسيسين وضع الدستور المصري الراهن بكل ما ترتب ويترتب عليه من إشكاليات سياسوية برلمانية؛ فهل سيجرؤ على انتقاد الوضع الراهن الذي يتحمل كثيرا من أوزار صناعته؟

**   كيف سيعيد عمرو موسى التوازن للمشهد الناقم عليه نتيجة اجترائه على الراحل الرئيس جمال عبد الناصر؛ بتعميم ادعائه أن طعاماً خاصاً كان يتم إحضاره له من سويسرا؛ وأنه كان يعرف هذه المعلومة علم اليقين بحكم وظيفته الدبلوماسية هناك؛ من دون إيضاح ضرورات إحضار هذه الأطعمة؛ ومن أية ميزانية؛ وتوقيتها ومدى استمرارها أو انقطاعها؛ وغير ذلك الكثير من القضايا ذات الشأن المحلي المصري وفق ظروفها التاريخية؟
 
نموذج من افطار جمال عبد الناصر
الذي ادعى عمرو موسى انه يستجلب من سويسرا
 
**  وإذا كان بعض طعام الراحل جمال عبد الناصر  جرى إحضاره من سويسرا قد يكون لضرورات طبية إذا كان صادقاً في أقواله؛ فهل يكشف عمرو موسى في مذكراته "كِتَابِيَهْ" نوعية السيجار الكوبي الذي يدخنه عشقا؛ ومقدار سعره الحقيقي؛ وليذكر في مذكراته ذلك لنعرف نوعية سيجاره الذي ربما يكون أحد الأنواع مما يجري الإعلان عنه في شبكة الانترنيت:
 
 
السيجار الذي يدخنه عمرو موسى كم يكلفه... الأرقام خرافية!!
 
 
-     هل هو من نوعية " فوينتي دون أرتورو أنيفيرإكساريو" الذي يباع صندوقه بــ 7500   دولار للصندوق.

-    أم من نوعية " أرتورو فوينتي أوبوس إكس إي" النادرة التي يباع بالسيجار فقط بسعر 79 دولارا للسيجار؟

-    أم من نوعية " كوهيبا بيهايك" المرقمة اصطناعيا بأرقام تسلسلية و يبلغ سعرها 18000   دولار، ويباع السيجار الواحد بـ 750  دولاراً.

-    أم من نوعية "غوركا هيز ماجيستيز ريفيرس" الذي يباع صندوقه بسعر 150000 دولار؟

-    أم من نوعية "غوركا بلاك دراغون" الذي يتوفر في صندوق مزخرف يدوياً ومصنوع من عظام الإبل، ويحتوي على 100   قطعة، ويباع بسعر115000  دولار، والقطعة الواحدة تُباع بـ 1150 دولار.

*****
 
عمرو موسى في تصريح صحافي كاشف
لطبيعة الشخصية والتوهم الذاتي بشعور البطولة.
 
 
كانت العرب قديما قوماً بلغاء بالمثل الشائع: "الكتاب يُقرأ من عنوانه"؛ فهل بذلك العنوان الذي اختاره عمرو موسى لمذكراته "كِتَابِيَهْ"، يحاول أن يتخلص من بعض أوزار تاريخه الدبلوماسي الطويل، والذي انتكبت خلاله الأمة بالعديد من الكوارث؛ لا تزال تعيشها راهنا، فرقة وتفتتاً واحتراباً.

من دون شك وفق الفعل التفكيكي لعنوان "كِتَابِيَهْ" يمكن القول أنه عنوان مفخخ؛ سيحاول عمرو موسى خلاله ترسيم القناعة ببراءته مما حدث ويحدث في المنطقة؛ فيصدر لنا إيحاء بدلالة "كِتَابِيَهْ" التي تنطبق على أهل اليمين يوم الدين والذي يقول الواحد منهم: ( هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ)... وليس من أهل الشمال الذي يقول ( َيا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ)... تلك قراءة تفكيكية استباقية فقط لعنوان مذكرات عمرو موسى؛ تكشف بعض المخبوء المضمر حول أدواره ؛ والذي سيقوم بالتعميةعليه متفاخرا قائلا ( هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ)!!!


                                                                    "رأفت السويركي"


 
 --------------------------------------------



الثلاثاء، 19 سبتمبر 2017

صوفية (2) شعر: "رأفت السويركي"


صوفية (2)
---------





حِيْنَ أُبْصِرْ.
...
لِلْحَنَايَا تَتَجَلَّى؛


نُدْفَةُ الضّوْءِ، بَهَاءً تَتَدَلَّى

فِي سُرُوْرِي؛



فِي قِبَابِ الْوَقْتِ،


تَعْلُوْ مُهْجَتِي؛ ضَوْءَ جُثُوٍّ وَسُكُوْنْ.



تَتَمَاهَى فَيْضَ فَيْضٍ؛


فِي عَنَاقِيْدِ حُضُوْرِي؛



مِنْ وَمِيْضٍ يَتَهَادَى،


يَتَنَادَى؛



فَتَطِيرُ الْخَفْقَةُ الأْوْلَى...


إِلَى سِدْرَتِكَ الْأَقْدَسِ مَسْرَىً


تَتَسَامَى فِي "مَوَاجِيْدِ" فُؤْادِي؛


وَجْدَ... وَجْدٍ

لِسُلَافِ الْوَعْدِ تَعْبُرْ.

وَإِلَى حَيْث يَنُوْءُ الْوَجْدُ هَمْسَاً وَبَوَاحَا؛

تَرْتَقِي بِيْ،

فِي اشْتِيَاقِ الرُّوْحِ لِلرَّاحِ؛ مَجِيْئَاً وَروَاحَاً،


تَلْهَثُ الذَّاتُ سَفِيْنَاً؛


تَمْخُرُ الْأَنْوَاءَ؛ فِي مَوْجٍ


كَأَنَّ الْبَحْرَ في مَوْرِهِ... يُرْغِي


مِنْ حَنِيْنِ الرُّوْحِ لُّجِّيٍّاً جَمُوْحَاً.

*****

حِيْنَ أُبْصِرْ

.....

مَنْ أَنَا... مَنْ؟

.....


فِي رَفِيْفِ الْقَلْبِ؛ طَيْرِي


يَسْكُنُ الــْ "كُنْ"!!

------------------------------------------    شعر: "رأفت السويركي"


من دفتر أشعاري يناير / كانون الثاني 2016م 

 والصورة تعبيرية للسديم الانكعاسي من تلسكوب هبل منشورة على الانترنيت



------------------------------------

الأربعاء، 13 سبتمبر 2017

تفكيك العقل النخبوي المتأخون سياسوياً ( 73 ) "احتيالات" القرضاوي... حين يقول أنا لست متأخوناً " أنا من المسلمين"!!

تفكيك العقل النخبوي المتأخون سياسوياً ( 73 )
"احتيالات" القرضاوي...
حين يقول أنا لست متأخوناً " أنا من المسلمين"!!
-----------------------------------------------------
 
تغريدة المتأخون يوسف القرضاوي
التي ينفي خلالها على سبيل التقية انتماءه للجماعة المتأخونة.
 
العقل السياسوي المتأخون عقلٌ مُحتالٌ؛ يُمارس كافة أنواع المُخادعة من دون رادع قيمي أو أخلاقي؛ لأن منهجه يتلخص في قاعدة: " الغاية تبرر الوسيلة"؛ والقاعدة الرائجة على ألسنة المتقوِّلين والرواة " ما لا يُدرك جُلُّه لا يترك كله "، مع الفوارق البينة بين القاعدة التي توظف فقهياً والمسلكية الانتهازوية التي يتطبع بها المتأخونون توظيفاً لفقه التقية.
 
وفي ممارسة عملية مباغتة تُذكِّر العقل التفكيكي بما وُصِف سابقاً بسلوك قفز "القردة العليا" مارس مُفتي التأخون السياسوي يوسف القرضاوي في أحدث مشاهد "لعبة القفز" والانتقال المباغت من غصن على الشجرة إلى غصن آخر؛ تطبيقا عملياً لفقه الضرورة بممارسة "التقية السياسوية" التي تشتهر بها تلك الجماعة الفاسدة فكرانياً ومسلكياً.
 
ففجأة كتب يوسف القرضاوي على صفحته في موقع التواصل الاجتماعي "تويتر" ما يجعله كَذِبَاً يتنصل تكتيكياً من انتمائه واندراجه في عضوية الجماعة المتأخونة؛ بقوله الحرفي: (أنا لا أنتسب لأحد إلا للإسلام وحده.. إلى القرآن والسنة وإلى محمد صلى الله عليه وسلم، "قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العلمين".)
 
هكذا بــ 25 كلمة يخلع القرضاوي عن كتفيه وتاريخه وشاح وعباءة التأخون السياسوي؛ التي طالما وكثيراً ما أصاب العالم بصداع التفاخر بانتمائه إليها؛ ممارسة وكتابة وخطابة، منذ نعومة أظفاره إلى مشيبه وهرمه!!
 
*****
ادعاء لا يسنده الواقع، ويدل على مقولة "يكاد المريب يقول خذوني"!!
 
وهذه التدوينة إذا كان الفعل التفكيكي لا يهتم خلالها بالكشف عن مسببات خلع القرضاوي لملابسه السياسوية المتأخونة؛ وتنصله المباغت من الانتماء لجماعته؛ كما لا يهتم بتكرار استعراض تفسيرات الوسط السياسوي المضاد بأن القرضاوي طُلب منه إعلان التنصل من الجماعة؛ حتى لا يُشكل مزيداً من الحرج لرعاته ومستضيفيه، وداعميه مالياً وإعلاموياً. فإنه سيقوم بكشف المضمر الذي يخفيه القرضاوي خلف تغريدته الفاسدة ؛ إذ أن ذلك التفسير يدل على سذاجة استهلاكوية شعبوية؛ فالأجهزة والمؤسسات الراصدة تعلم من هو القرضاوي؟ وأنه متأخون قلباً وقالباً؛ وتاريخه الإفتائي الفاسد لتدمير الدولة العربية الحديثة لا يمكن أن يمسح مسؤوليته "تغريدة" مُخادعة على "تويتر".
 
يوسف القرضاوي في تغريدة التنصل تلك... يمارس ما يمكن تسميته في التحليل النفسي السياسوي "سلوك النوع"؛ كمسلك مرتبط بالفطرة السياسوية الفاسدة للمتأخون؛ والمكتسبة من الأنماط التربوية التي وضع قواعدها المؤسس الأول "حسن البناء" ضمن نظام العضوية والتأهيل والدمج والقولبة؛ والمرتبطة بدافعية التقية كمحرك "مضمر مسكوت عنه" في السيكولوجية المتأخونة التي تشعر دوما منذ التأسيس بالاسترابة من الواقع الخارجي الذي يترصدها ويتهددها؛ لذلك فإنها تستخدم المنافقة والمناورة الاتقائية.
 
فالتقية السياسوية التي تُربي الجماعة المتأخونة أعضاءها عليها تُعبر عنها المقولة الرائجة: "يكاد المريب يقول خذوني" التي توظفها العرب مثالاً للتعبير عن حال مرتكب الخطأ؛ ونتيجة شكوكه بإمكانية افتضاح أمره يكاد يُعلن مسؤوليته عما ارتكبه.
 
فهل قبل أن يكتب القرضاوي ما كتبه بوضوح:" أنا لا أنتسب لأحد إلا للإسلام وحده.. إلى القرآن والسنة وإلى محمد صلى الله عليه وسلم " نسي عشرات المؤلفات والمحاضرات والخطب والبرامج باسمه التي رسخ خلالها إعلان وتثبيت تأخونه؛ وأكد انتماءه لجماعته التي قامت بتربيته.
 
وإذا كان الشيء بالشيء يذكر؛ فماذا يقول القرضاوي عن انتمائه المتأخون فيما خطه بنفسه – على سبيل المثال لا الحصر – في تقديمه كتابه المعنون "التربية السياسية ومدرسة حسن البنا، بمناسبة مرور ثلاثين عاماً على استشهاد الإمام حسن البنا " الصادر عن مكتبة وهبة بالقاهرة الطبعة الثالثة العام 1992م.
 
لقد كان مفتتح يوسف القرضاوي في تمهيد الكتاب دالاً على عمق الانتماء؛ والارتباط العضوي والعاطفي والوجودي بجماعته التي تنصل من الارتباط بها في تغريدة تكتيكاوياً.
 
*****
 
ومن دون شك فإن نص تمهيد التعبير عن هذا العشق المتأخون؛ والذي اختفى من الطبعات التالية يتضمن حرفياً: " أرأيت إلى الأرض الخاشعة الهامدة، ينزل الله عليها الماء، فتهتز وتربو وتحيا بعد موتها، وتنبت من كل زوج بهيج، كذلك كانت الأمة الإسلامية في منتصف القرن الرابع عشر الهجري، وقبل ظهور حركة الإخوان المسلمين؛ ... وشاء الله... أن يجدد لهذا الدين شبابه، ويعيد لجسد هذه الامة الهامد روحه وحياته من جديد. فكانت دعوة الإخوان المسلمين، وكان حسن البنا مؤسس هذه الحركة "الكبرى" التي مضى عليها خمسون عاماً تركت فيها بصمات وآثاراً في كل مجال وفي كل مكان، داخل العالم الإسلامي وخارجه".!!
 
ووفق عادة الاحتيال السياسوي الذي يبرع القرضاوي في ممارسته يمكن بتفكيك هذا المتن؛ الوصول إلى النتائج التالية:
 
أولاً: إن "القرضاوي المقدس" جماعاتياً؛ وفق عادته التي لا تنقطع يمارس لعبة التأويل الفاسد بتوظيف النص القرآني الكريم لخدمة أغراضه السياسوية؛ عبر القيام بليِّ عنق النص الكريم وتوظيفه استدلاليا في غير موضعه حسب "التوظيف الخوارجي".
 
فالآيات الكريمة من سورة الحج الآية الخامسة هي: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ﴾.
 
لكن القرضاوي المؤول السياسوي الفاسد؛ يوظف الآيات المرتبطة بنسف إنكار البعث؛ وتوظيف قانون الإنبات الذي يعرفه الكفار مثالا لقدرة الله زمن البعثة وما يتلوها للتدليل على تصوراته السياسوية بالنسبة لجماعته المؤسسة وفق المسمى الماسوني "الإخوان"؛ ليقول:" أرأيت إلى الأرض الخاشعة الهامدة، ينزل الله عليها الماء، فتهتز وتربو وتحيا بعد موتها، وتنبت من كل زوج بهيج... فكانت دعوة الإخوان المسلمين، وكان حسن البنا مؤسس هذه الحركة "الكبرى"!!
 
ثانياً: إن مقام التوظيف الفاسد للنص الكريم يستهدف في مقتضى الحال تعميم الفهم بأن العالم الإسلاموي كله كان كافراً ومنكراً للألوهية قبل ظهور حسن البناء؛ فبعث الله الدين الإخواني الجديد / المشابه وظيفيا بماء السماء بوساطة حسن البناء لذلك اهتزت الأرض الهامدة وربت فأنبتت... إلخ!!
 
ثالثاً: يدعي يوسف القرضاوي أو يتوهم أو يروج إلى أن دين الإسلام استرد حضوره في الأرض بنشوء الجماعة البنائية؛ من دون أن يذكر دليلاً واحداً على توهماته السياسوية؛ متناسيا أكثر من 14 قرناً والعقيدة تواصل انتشارها؛ فيما لا يجرؤ القرضاوي وكذلك بقية كهنة الجماعة على تقديم كشف حساب إحصائي لدور الجماعة المتأخونة بنشر الإسلام في الدول التي لم يصل إليها؛ أو تغيير ميزان انتشار العقيدة ببرامجها لتتغلب على العقائد الأخرى في الانتشار!!
 
وبذلك فإن القرضاوي وجماعته يعيش متوهمات سياسوية عريضة ومدروسة استخباراتيا؛ ومدعومة أيضاً لتواصل دور هدم نظام الدولة الوطنية في المنطقة.
 
*****

ونصل إلى خطوة كشف "المسكوت عنه" في "الأغرودة الفاسدة" للقرضاوي التي يقول فيها: " أنا لا أنتسب لأحد إلا للإسلام وحده.. إلى القرآن والسنة وإلى محمد صلى الله عليه وسلم، ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الأنعام: 162، 163].
 
أولاً: أبرز القرضاوي في صياغة عبارته "التقوية" – من التقية - ارتباكاً بينا؛ فمن ينتسب للإسلام بالضرورة ينتسب للقرآن والسنة والنبي الأكرم محمد صلى الله عليه وسلم؛ والأمر لا يتطلب من القرضاوي تقرير المقرر؛ فهو متضمن منطقياً؛ لكنه الارتباك النفسوي الذي يعيشه في مرحلة هرمه، والتي تبخرت فيها متخيلات جماعته بالتمكين.
 
ثانياً: إن التوهم القرضاوي بادعاء وراثته النبوة التي جرى تفكيكها مسبقا يأخذ بلباب وجدانه و"مقياد" لسانه؛ ففي تغريدته الفاسدة هذه أيضاً يلعب اللعبة نفسها؛ ويقوم بتوظيف الآية القرآنية الكريمة في غير محلها؛ فالله جلَّ جلاله حسب ابن كثير وسواه: " يأمر نبيه محمداً صلى الله عليه وسلم بأن يخبر المشركين الذين يعبدون غير الله أن صلواته وذبحه وما يفعله في الحياة من الأعمال، وما يموت عليه من الإيمان والأعمال الصالحة جميع ذلك خالصا لله دون من سواه، وأنه أول من انقاد واستسلم لطاعة الله عز وجل من هذه الأمة".
 
ويأتي يوسف القرضاوي المريض بالتوهم العقدي؛ فيحشر نفسه في مجال النبوة المقدسة، ملحقا احتيالاته السياسوية بالنص القرآني؛ فهو يخفي انتماءه إلى الجماعة المتأخونة التي شيد فيها مسبقاً أبراجاً من كتب؛ وبتغريدة شاردة على موقعه يؤكد أنه لا ينتمي إلا إلى الإسلام والرسول الأكرم!!
 
ثالثاً: وما كادت التغريدة تظهر؛ حتى تناقلتها الصحف والمواقع الالكترونية في اهتمام غير مسبوق؛ وكأن يوسف القرضاوي حقاً خلع نفسه من الجماعة المتأخونة؛ أو أنه يحاول القفز من سفينة الإخوان؛ سعياً للتخلص من إرثه الكريه مُنظِّراً لتدمير الدولة الوطنية.
 
إن تلك التغريدة المخادعة ليوسف القرضاوي؛ لا تنفي بالمطلق انتماءه للجماعة المتأخونة؛ ولكنه يمارس لعبة "التقية" مؤقتاً؛ فهو كما نشرت المواقع من قبل حين سئل عن خروجه من التنظيم المتأخون في برنامج "المقابلة" قال: " لم أخرج من الإخوان… لكن لم أستمر؛ أنا طلبت منهم أن أترك التنظيم، لا أعمل في التنظيم، ولا ألتزم بأن أروح أحضر مع الجماعة وأعمل كذا…"، ما يعني عدم الالتزام بالعمل التنظيمي، لكن انتماءه للفكرة والجماعة مستمر فقيها ومنظراً.
 
رابعاً: إن انفكاك القرضاوي من أعباء العمل التنظيمي بسبب شيخوخته؛ لا يمكن أن يؤول بتركه الجماعة التي يقدس فيها المؤسس حسن البناء؛ والدليل ما ذكره في كتابه "لقاءات ومحاورات حول قضايا الإسلام والعصر": " أعظم الشخصيات التي أثَّرت في فكري ومشاعري وسلوكي، هي شخصية الإمام حسن البنا، فقد استمعت إليه مبكراً في حياتي، وأُعجبت به ورأيت فيه الأستاذ والمعلم والمربي والداعية والمفكر، ولهذا تلقفت تقريباً كل ما كتبه من رسائل ومقالات وبيانات ونهلت منها، ووجدت فيها زاداً ونبراساً...".
 
*****
صفحة المتأخون القرضاوي على موقع تويتر.
 
والسؤال المنهاجي هو إذا كان يوسف القرضاوي لم يغادر فكر الجماعة فما مبرر تجاوز ذكرها في تغريدته المخادعة تلك؟ الإجابة هي مسلكية "التقية" التي تلتزم بها الجماعة تاريخيا؛ والتي جعلت "حسن البناء" ينفي فكرة العنف والقتل بقوله " ليسوا إخوانا وليسوا مسلمين "، بعد قيام كوادرها باغتيال محمود فهمى النقراشي رئيس وزراء مصر؛ في إطار ممارسة قاعدة التقية وهي " أن تقول أو تفعل غير ما تعتقد، لتدفع الضرر عن نفسك أو مالك او لتحتفظ بكرامتك".
 
*****
 
هكذا فقط يمكن فهم التغريدة الفاسدة ليوسف القرضاوي؛ التي أخفى فيه اسم الجماعة المتأخونة التي أسسته فكرانياً ووجدانياً، ونصبته مفتياً معاصراً للتدمير وقتل الأنفس التي حرم الله قتلها؛ لكنه المرض العضال الذي صاغ عقلية "القاعدة" و "داعش" إلخ من تلك الحركات؛ التي من سوء سمعتها؛ تجعل يوسف القرضاوي يمارس الاحتيال السياسوي بالقول أنا لست متأخوناً... "أنا من المسلمين"!!
 
 
                                                           "رأفت السويركي"
 

 

---------------------------------------

الثلاثاء، 12 سبتمبر 2017

عبد الفتاح كيليطو... "مُفَكِّك السرد العربي" في وقفة ذاتوية!!

عبد الفتاح كيليطو... "مُفَكِّك السرد العربي" في وقفة ذاتوية!!
---------------------------------------------
 
 
إن كل جهد يمهد طريقاً ويُعبِّده للتبادل المعرفي مع الآخر في الأدوات ينبغي أن يحظى بالاهتمام، لأنه يدعم القدرات الذاتوية للعقل الجمعي للأمة، بما يساهم في تحقيق نقلة طفرية يحتاج إليها العقل العربي والإسلاموي، لكي يعيش متغيرات العصر وما يتلوه.
 
إننا في احتياج إلى "تجنيس" المناهج وتوظيفها، لإنتاج ما يتواءم مع حياتنا المعاصرة؛ لأننا كما نستجلب السيارة والطائرة والتلفاز والهاتف و... و... إلخ لا غضاضة من أن ننفتح على معطيات العقل الآخر، كما فعل العقل العربي والإسلاموي في عصور نهضته؛ بانكبابه على ترجمة وهضم معطيات العقل اليوناني والروماني، وترجمتها وحفظها ونقلها إلى إبناء ذلك العقل، ليستفيدوا منها في رحلة إعادة بناء الحضارة الأوروبية الأميركية.
 
*****
 
الدافع لهذه الكتابة كان تذكير "فيس بوك" لي بتدوينة سابقة تدور حول الكاتب المغاربي عبد الفتاح كيليطو؛ والذي يُعَدُّ من منظوري إحدى درر عِقد المفكرين المتميزين، من أمثال محمد عبد الجابري وعبد الله العروي، وطه عبد الرحمن ومحمد مفتاح، وغيرهم ممن لا تحضر أسماؤهم إلى الذاكرة راهناً. 
 
فقد نشر الصديق الدكتور مصطفى الغرافي صاحب الدراسة الدسمة بعنوان " البلاغة والإيديولوجيا - دراسة في أنواع الخطاب النثري عند ابن قتيبة" على جداره مقتبساً كتبه "عبد الفتاح كيليطو" ذكر في متنه: " لدي بعض التحفظ، في أن أعتبر نفسي كاتبا. وإذا لزم الأمر، فأنا مجرد ممارس لنشاط، مستعيداً بهذا الخصوص منظور رولان بارت. أما كاتب، فتبدو إلي مغالية في الادعاء، لأن إنتاجي الأدبي، ضعيف جداً".
 
وقد وصف الدكتور الغرافي كيليطو بـ "الساحر عبد الفتاح كيليطو"؛ ما حفزني قارئاً دؤوباً لمشروع كيليطو بالتفاعل في تدوينة حاولت التماس مع ما ذكره حول كتابته. وقد استخدمت منهج المقاربة عبر القراءة الدلالية للعنونة التي تحمل اسم كيليطو؛ مجيباً على التساؤل الذي أوحى به المقتبس الذي يقدم به كيليطو تقويما لمشروعه البارز من منظور الراصد الثقافوي العربي.
 
*****
 
 
إن القراءة الدلالية لعناوين إصدارات عبد الفتاح كيليطو، تكشف بما لا يدع مجالا للشك، عن أدواته النقدية والتفكيكية، وتوقفوا أمام العناوين التالية:
 
- "أبو العلاء أو متاهات القول"، "لسان آدم"، "العين والإبرة"، "لن تتكلم لغتي"، "الأدب والغرابة"... "الغائب دراسة في مقامة للحريري"... وتأملوا، فالحقل الدلالي لعناوين هذه الإصدارات: " العين، الأبرة، الكلام، اللغة، التكلم، الحكاية، التأويل، المتاهة، القول، لسان، آدم، الغائب..." يقود المتلقي، لمعرفة النشاط التفكيكي لكيليطو.
 
- إن عناوين هذه الأعمال المميزة للكاتب الكبير وصاحب العقل النقدي المميز عبد الفتاح كيليطو، ألا تجعلنا نتمهل، ثم نتوقف في لحظة تأمل دارسة "فاعلة" لدلالة هذه "المنطوقات" المحددة إشهاراً على رؤوس كتب، حفر بها عبد الفتاح كيليطو أخاديد عميقة، في حقول دراسة السرد والنسق التعبيري العربيين، بمبضع ماهر، وهو يشق ركام ومكدسات اللغة "الطبلية" التقليدية في كثير من جامعاتنا العربية - من الطبول - التي تعاملت مع هذه الكتب المميزة بأدوات الذهنية المسطحة، والتي تفتش عن المحمول السطحي الذي يعنُّ لها فور قراءتها المتعجلة من دون أدوات المناهج البنيوية والتفكيكية التي اهتدى لها العقل الإنساني العميق، وهو يختار المبضع التشريحي من جنس الجسد التعبيري، للوصول إلى الإمساك بآليات الخطاب ، وبنيته ، ومحموله الدلالي.
 
 
حتى وإن كان بعض المتكلسين فكرياً يرفض مغامرات كيليطو النقدية، والتي تساندها ممارسة ومدارسه نقدية مجتهدة، وفق مناهج التفكيك والبنينة الحديثة وهو متمكن منها بقوة، فإن فعل التحفير يستخرج من اللقى الفكرية ما يعجز المنقبون التقليديون بمناهجهم وأدواتهم القديمة في كشف "المسكوت عنه" في هذه النصوص العربية المهمة.
 
إن المغامرات النقدية الجميلة التي يقوم بها كيليطو في الموروث العربي، تستحق الاهتمام، والمدارسة، والصبر عليها للوصول إلى مكنوناتها الثمينة في تجليات السرد والأنساق الثقافوية في أمهات الكتب العربية القائمة على السرديات الحكائية مثل "مقامات الحريري" والهمذاني.
 
*****
 
ومن دون شك فإن مقتبس الصديق الرائع "مصطفى الغرافي" لمقولة "كيليطو" حول تحفظه باعتبار نفسه كاتبا، معتبرا أنه ممارس لنشاط، يأتي في إطار إدراك المنقب الحقيقي في الأفكار، والذي يدرك أن ما هو غير مكشوف عنه، أكبر مما لقيه في رحلة تحفيره النقدية.
 
لذلك يواصل كيليطو محاولاته الكشفية الجديدة، بتواضع العلماء وإدراك الباحث الحقيقي بأن ما لم يصل إليه أكثر مما اجتهد في الوصول إليه بيده النقدية أي عقله.
 
إن خطاب عبد الفتاح كيليطو الوصفي التفكيكي لجهده بأنه "مجرد ممارس لنشاط، مستعيداً بهذا الخصوص منظور رولان بارت" لا يقلل من أصالة ورزانة مشروعه الفكري الذي اهتدى خلال بنائه بجهد رولان بارت؛ وهو يقرأ الخطاب السردي العربي الموروث في كشف ذاتي للمسكوت عنه؛ إنه كشف العلماء الأصلاء الواثقين؛ ولعل المتعالمين الذين يجترون خطاب العقل الماضوي المتكلس يدركون فضيلة إعادة التفكر النقدي في الذات والخطاب، وهو ما فعله عبد الفتاح كيليطو "مُفَكِّك السرد العربي" في هذه الوقفة الذاتوية!!
 
                                                                    "رأفت السويركي"
 
------------------------------------------